الجمعة، 8 مايو، 2015

صدور كتاب «عصر السرد» للناقد علي كاظم داود عن دار الفراشة للنشر والتوزيع في الكويت


صدر عن دار الفراشة للنشر والتوزيع في الكويت كتاب «عصر السرد» للناقد العراقي علي كاظم داود، وجاء في أكثر من مئتي صفحة من القطع المتوسط.


وحمل الغلاف الأخير كلمتين، الأولى بقلم الناقدة الدكتورة زهور كرّام من المغرب جاء فيها:
يشكّل هذا الكتاب محطةً مهمةً في حياة السرد في المشهد العربي. إذ يُعيد الاعتبار إلى السرد، بوصفِهِ حالةً تعبيريةً عربيةً بامتياز، وجد فيها الأفراد مساحةً بليغةً للتعبير عن حياتهم وحكاياتهم.
يرصدُ الكتابُ مجالات تحققِ السرد، وتمظهره في الخطاب العربي، بعيداً عن اختزاله في جنس الرواية. كما يقف عند العلاقة التفاعلية والوظيفية بين السرد وباقي الفنون وأشكال الآداب الأخرى، وقد أنتجت هذه العلاقة تعبيرات سردية جديدة، تُشخص الجديد في التصورات والرؤى.
كما تأتي أهمية هذا الكتاب في انشغاله بالنص السردي، تأملاً وتحليلاً، أكثر من الاهتمام بالنظري، ولهذا، نلتقي بشخصية الناقد علي كاظم داود ونقترب ـ أكثر ـ من رؤيته النقـدية التي تتسم بالإبداعـية، وتنفتح على مختلف المقاربات المنهجية، التي تتماشى وتنوع الأشكال السردية، كما تُقدم النص إلى القارئ بمتعة وجمالية.
«عصر السرد» التفاتة بروح نقدية ـ إبداعية لحالة السرد في المشهد العربي.

والثانية بقلم الناقد الدكتور حسن سرحان من العراق قال فيها:
يعالج الناقد علي كاظم داود في كتابه «عصر السرد» عدة إشكاليات وقضايا تتمحور في جوهرها حول علاقة السرد ببعض الفنون والآداب، وآليات تشابهه معها وافتراقه عنها، وفق قراءة نقدية تطبيقية واعية مضبوطة متفحصة ودقيقة، تقترب في بعض جوانبها من تأويلية امبرتو ايكو، وتتبنى في شكلها العام سياقات نظريات القراءة وإنتاج الدلالة واشتغال العلامة داخل النص السردي.
هذا الكتاب يشكل إضاءة هامة أرى فيها دليلاً كاشفاً على قدرة الناقد علي كاظم داود على الابتكار والتأويل المحكوم بمرجعيات وحدود وقوانين ضابطة.




الخميس، 15 مايو، 2014

صدور كتاب ( شعرية الحدث السردي ) عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة

ضمن اصدارات دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة لهذا العام 2014 صدر كتاب (شعرية الحدث السردي) للناقد العراقي علي كاظم داود، وهو بالأصل دراسة حازت إحدى جوائز الشارقة للإبداع العربي بدورتها السابعة عشرة.
ايميل:
alidawwd@yahoo.com


السبت، 7 ديسمبر، 2013

بين السرقة والتناص


كثيراً ما يتحدث الشعراء عن التناص، ويتباهون بقدرتهم المميزة على استثماره لإثراء نصوصهم الشعرية... وبالفعل فإن التناص له أثر إيجابي في بنية النص الأدبي. لكن الغريب أنهم ـ في مقابل ذلك ـ يُجهدون أنفسهم ـ أحياناً ـ في تتبع نصوص وقصائد الآخرين؛ لعلهم يعثرون على أي تشابه بينها وبين نصوص سابقة لهم، ولو من بعيد، لكي يتهموا أولئك الآخرين بالسرقة منهم!
في مقابل ذلك تكشف مباحث التفاعل النصّي أو المتعاليات النصية لدى جيرار جينيت عن أنماط عديدة من التلاقي بين النصوص، حيث لن يُعدم القارئ الفاحص من إرجاع أية حالة من حالات التقارب اللفظي أو المعنوي بين النصوص إلى واحد من تلك الأنماط. لذلك أرى أن التقارب اللغوي والمعنوي والدلالي لا يمكن أن يُعد سرقة أدبية، فهذا من قبيل السُنّة النصّيّة لكي تستمر دورة الكتابة في الحياة، في حين أميل إلى القول أن السرقة تقتصر على ما نُقل حرفياً فقط، دون الإشارة إلى مصدره.
تكتسب النصوص الأدبية قيمة مضافة من خلال القنوات النصّية أو التناصية التي تربطها، بطريقة واعية، مع نصوص أخرى، فمنذ جوليا كرستيفا ومباحث التناص تتسع أكثر فأكثر على أيدي الباحثين، حتى صارت تشمل جميع حالات التلاقي والتحاور والتقارب والتعالق النصّي.
ربما علينا أن نتذكر دائماً، حيال موضوع التناص، تلك المقولة ـ التي أعتقد بصدقها إلى مديات بعيدة ـ أن الشاعر الجيد يسرق، أما الشاعر السّيئ فيُقلّد، وهو ينطبق على جميع مجالات الكتابة وليس الشعر فقط... ولكن كيف ذلك؟ أرى بأن الكاتب والشاعر الجيد ـ وهو قارئ نوعي بامتياز ـ يلتقط الأفكار اللامعة من نصوص عديدة، فيعمد إلى إعادة تصنيعها وصياغتها بشكل جديد، فتظهر ـ باحترافه الشعري أو الكتابي ـ كما لو كانت جديدة وأصيلة. قد تنطلي تلك الظاهرة على كثيرين، لكن القارئ المحترف هو من يستطيع الكشف عن السرقة، والتي لا يمكن إلا أن تُعدّ ـ نقدياً ـ تناصّاً إيجابياً، لأن هذا التناص أسهم في تطوير النص الجديد والارتقاء به، بخلاف التقليد الذي يسلكه الشعراء والكُتّاب السيّئون، أي أنه تناص سيّئ، لم يتفاعل مع النصّ السابق ولم يُضفِ عليه شيئاً، بل أعاد كتابة الفكرة بطريقة هابطة. ولكي لا يُفهم مني التناقض مع ما سبق، أقول ثانيةً: إنه تناصٌّ وليس سرقة، لأني أرى في السرقة ما جاء حرفياً دون الإشارة لمصدره.
أتصور أن مفهوم التناص يحتاج إلى إعادة فهم أكثر من حاجته إلى إعادة تعريف، فالقدر المتوفر في الدراسات الخاصة بذلك تفي بالغرض، وأذكر منها كتاب الدكتور محمد عبد الرضا شياع المعنون (الخلفية النصّية الاسبانية والشعر العربي المعاصر، بحث في التفاعل النصّي) والصادر عن دار تموز في دمشق خلال هذا العام.
التناص حتمية أدبية. وأعني بالحتمية الأدبية، ضرورته في تكوين الطبيعة النسيجية للنصوص ـ بحسب بارت ـ والتي تُحتّم تآزر الثقافات التي يحملها الكاتب أو الناصّ، في تكوين نسيج النص، وتلك الثقافات ـ بطبيعة الحال ـ خليط كبير من النصوص السابقة، ستظهر في ما يكتبه، سواء شَعَرَ بذلك أم لم يشعر، وما يُروى عن نصيحة المُعلم الكوفي إلى تلميذه أبي نؤاس بأن يحفظ ألف قصيدة ثم ينساها قبل أن ينظم الشعر، يصلح للتدليل على هذه الفكرة.

alidawwd@yahoo.com

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

الوقوف على حافة العالم: النقد بذائقة فلسفية


يرتبط النقد بالفلسفة ارتباطاً وثيقاً، فمنها يستعير الاشتغال النقدي طبيعته الحفرية في أعماق النصوص على اختلافها، ومن خلال التأسيس على أسئلتها الكبرى يستخرج ما تضمره تلك النصوص من أجوبة فكرية وإبداعية تتعلق بقضايا الوجود  الأساسية.
بتلك الذائقة المفعمة بالأسئلة المُلحّة ينجز علي حاكم صالح كتابه النقدي القيّم والمعنون (الوقوف على حافة العالم) الصادر هذا العام (2013) عن منشورات الجمل في بيروت وبغداد معاً، وفي (142) صفحة من القطع الوسط، متناولاً فيه التجربة الإبداعية لاسمين شعريين عراقيين بارزين هما (محمود البريكان وسركون بولص). ينقسم الكتاب إلى مقالتين أو فصلين: أولهما يقتصر الكلام فيه على الشاعر البصري محمود البريكان، وجاء تحت عنوان (في الطريق إلى البريكان)، وثانيهما مُخصص للحديث عن الشاعر سركون بولص، وكان عنوانه (سركون بولص: ضيف المسافة).
يُصدّرُ المؤلف لكتابه بمقدمة مهمة، رغم قصرها، تضمنت رؤاه واعتناقاته الشخصية حيال فن الشعر وبعض قضاياها، ويرى فيها أننا «لن نتوفر يوماً على تعريف واحد ونهائي للشعر يحيط بماهيته أو حدوده». ويبرر ذلك بالقول: «ليس للشعر ماهيةً تسبق تحققاته الفردية. إن الشعر كما الإنسان وجودهُ أسبق من ماهيته». وأحسبُ أن هذه الرؤية تحتاج إلى تأملات مطوّلة لِكُنْهِهَا واستيعابِ عمقها وثرائها. ولأن الشعر تحققات وتجارب فردية فهو يرى أن على من يمارس نقد الشعر أو قراءته أن يكتب بطريقةٍ «تتقصّى الدلالات الضمنية والبعيدة، وتقلب الباطن إلى ظاهر»، وذلك بالنظر لكون الشعر، الحديث والمعاصر منه بالخصوص، يُضمر أكثر مما يُظهر، ويُلمّحُ أكثرَ مما يُصرّح، ويخفي أكثرَ مما يُبدي، وهذا الكلام ينطبق، بطبيعة الحال، على النماذج الواعية والراقية فقط، لا على تلك النماذج المتخبطة في هلوسات العدمية واللامعنى.
إن التبصّر بكتابة علي حاكم صالح يكشف أنها تحمل بصمات ورؤى مفكّرٍ، بصماتٍ تَظهَرُ خطوطها بوضوحٍ يفوق ما تبديه هذه الكتابة في ثناياها من جهد ناقد. ورغم ذلك، فإن التفريق بينهما ـ أي المفكر والناقد ـ ضرب من التجوّز والتنزّل، فكلاهما مهووسان ومهمومان بطرح الأسئلة، أكثر من بحثهما عن الأجوبة، وكلاهما مشغولان بالأفكار وسبل إنتاجها والكشف عنها في مواضع كمونها واختبائها، ولذا ربما يكونان الأجدر بصفة المثقف. إلا أن ما جعلنا نُرجّحُ صفة المفكر لهذا الكاتب كون ما قرأناهُ له جدير بأن يوصف بأنه: كتابةٌ ضالّتُها الحِكمة.
من بين ما تميّزت به هذه المدوّنة قولبتها، أحياناً، في إطار استرسالات وانثيالات، إلا أنّها تسعى في النهاية لاستقصاء الدلالات، حيث تأخذ بالدوران حول بعض التعابير والصياغات المُشعّة؛ لكي تولّدَ منها المعاني، كما لو أنّها تقوم بتقشير المضامين الشعرية الكثيفة، وانتزاع الطبقات القارّة عنها، للوصول إلى جواهرها الكامنة.
صَنعَ الكاتبُ برهافةِ حسٍّ وذائقةٍ شفافةٍ نصّاً محايثاً مفعماً بالشعر والخيال، وضاجّاً بالرؤى النقدية العميقة، وناضحاً بالأفكار الجذّابة والمغرية. إنها تجربة تحليقٍ فريدةٍ، أو سقوطٍ حرٍّ في فضاء فسيح، لا منهج يحكمها إلا هوى الكاتب وميله الشخصي في استقراء هذه النصوص وتذوقها، دون غيرها. إنّه إنصاتٌ لصوت الشاعر، وتحديقٌ مستغرقٌ في ملامح عالمه الشعري، وهي «تأملات غير مكتملة» بتعبير الكاتب نفسه، الذي أكّد ـ أكثر من مرّة ـ تحرره من أية منهجية مسبقة، أو طريقة تناول صارمة، لكي يبرّئ عمله من أية مساءلة نقدية قد تثار ضده. إلا أن هذا التبرؤ ربما لا يعصمهُ تماماً من مقاضاة النقد، لأنّ اشتغاله على استنطاق النصوص، واستنباط المعرفي والفلسفي والثقافي الكامن في متنها الأدبي، جعله يقترب، بهذا المقدار، من مناهج نقدية متداولة، لعل من أوضحها النقد الثقافي، خصوصاً وأنه عمد إلى المزاوجة بين الشاعر ومنجزه الشعري، في سياق ما اصطَلحَ عليه بـ ­«المؤشرات اللا نصّية».
يرى الكاتب أن «ثمة تداخل إنساني وشعري مميز بين تجربتي البريكان وسركون»، كما يرى أنهما قد تجرّدا عن كل ما هو لا إنساني، وتجرّدا للعيش من أجل الشعر بوصفه مهمة نهائية لهما، وبذلك التلاقي بين التجربتين، شعرياً وإنسانياً، يُبرر إقدامه على جمعهما في كتاب واحد. كما يصف الشاعرين بأنهما «شاعرين أصيلين»، ولا يعلل الكاتب أصالتهما بجودة شعرهما فقط، بل بأنّهما قد عاشا متوافقين تماماً مع ما كتباه، وهنا يُنوّه أنه لا يستسيغ الفصل بين الشاعر وشعره، تبعاً لكونه لا يستطيع الفصل بين الإنسان وفعله، وهذا ينبع من موقف فلسفي حتماً.
ينصرف الكاتب إلى تجلية علاقة الشاعرين بالشعر الذي اختارا أن يُطلا من نافذته على العالم، فيقول، مثلاً، عن تجربة البريكان الشعرية، التي استغرقت مدة طويلة من الزمن، أنّ ما كان يُسيّرُها هو الوعي بطبيعة الشعر، ودوره في كتابة الهم الإنساني الجوهري، ويصفها بأنها«تعبير عن همّ إنساني عام يتجاوز التحديدات التاريخية الجزئية ليصعّدها إلى منزلة ماهيّة مشتركة عامة تجلّت تاريخياً». ويرى أن قصائد البريكان تكشف عن انشداده وانهمامه بتشييد «أركان عالمٍ متكاملٍ يراه هو بطريقته الخاصة». في مقابل ذلك يرى الكاتب في سركون بولص شاعراً «ينتمي إلى فصيلة من الشعراء النادرين الذين كرسوا حياتهم لشعرهم، ليس كتابة فقط ـ فليس ثمة فرادة في هذا ـ بل كان شعره هو هذه الحياة التي عاشها بكل مفترقاتها ومفارقاتها ومراراتها وأحزانها ومُتعِها الزائلة، وشيء آخر أهم أنه كان متوافقاً مع شعره الإنساني».
تلتقط هذه الكتابة سمات الفرادة والتميّز للشاعرين، فتصف سركون بأنه «ليس من نوع الشعراء الذين يكتبون ألف قصيدة عسى أن تكون عشرة منها جيّدة». في حين ينظر إلى البريكان بوصفه ذلك الشاعر الذي «يعي جيداً ماذا يكتب، ويعي جيداً رؤيته الفكرية المقولة شعرياً». وهذا يؤشر إلى أن الكاتب يرى أن هذين الشاعرين لا يكتبان إلا ما كان جديراً بالتدوين، ولا يقولان إلا الشعر الذي يثريه الوعي، وتُؤصّلُه التجربة الإنسانية، وتعلي من شأنه الأفكار.
----------------------
نشرت في جريدة الصباح العراقية 24/ 11/ 2013

الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

عن مفهوم الشعرية

لسنا هنا بصدد الإلمام بتحولات واتجاهات مفهوم الشعرية، ولا الادعاء بالأخذ بتعريف قطعي له؛ لأنها، ربما، تعد من أشكل المصطلحات وأكثرها زئبقية والتباساًً، كما يقرر بعض الباحثين. لذلك فإن ما سنعرض له هنا لا يعدو عن كونه نظرة سريعة لهذا المفهوم، وتسجيل بعض التعريفات المتداولة له.
بدأ مفهوم الشعرية مساره على يد الناقد الشكلاني واللساني رومان جاكوبسون، الذي رأى أن موضوع الشعرية الإجابة عن السؤال: «ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً». ثم تناوله تزفيتيان تودوروف في أثره الهام (الشعرية). حيث ينطلق تودوروف من البحث في الخصائص الأدبية عموماً، ليصوغ مفهوماً عاماً للشعرية، التي يحدد موضوعها بأنه ليس هو العمل الأدبي، بل البحث في خصائص الخطاب الأدبي، أو اقتراح نظرية داخلية لبنية الخطاب الأدبي واشتغاله، بوصفه تمظهراً لبنية مجردة وعامة، ويرى أنها تسعى إلى الكشف عن القوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل أدبي، وتبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، «فالشعرية، إذن، مقاربة للأدب (مجردة) و(باطنية) في الآن نفسه».  هذا الفهم الذي يصوغه تودوروف يتعالق بصورة ما مع مفهوم الأدبية الذي أسس له جاكوبسون، ويشار به إلى وضع سيميائي نوعي للنصوص الأدبية، ويتقاطع أيضاً مع مفهوم علم الأدب لدى رولان بارت، الذي أراده علماً لشروط المضمون، أي للأشكال، ليهتم بتغيرات المعنى المُحدَثة، أو بالمعاني الممكنة التي تحدثها الأعمال الأدبية.
يتبين بذلك أن الشعرية هي نظرية لدراسة الأنساق الحاكمة في بناء النص الأدبي، وأنماط الخطاب الأدبي الفاعلة فيه؛ لهذا نجد تودوروف يحدد، في إطار الشعرية، مجموعة مظاهر ومستويات لدراسة النصوص، حيث يعتقد بثباتها واستقرارها في الخطاب الأدبي، ويقسمها إلى ثلاثة مظاهر: المظهر اللفظي، والمظهر التركيبي، والمظهر الدلالي.
في محايثة ذلك كانت هناك جهود وإضافات مهمة لباحثين كثر في إطار دراسة مفهوم الشعرية ونطاق اشتغالاتها، ومن بين أبرزهم: جان كوهين، وميشال ريفاتير، وجوناثان كولر، وجيرار جينيت، وكيبيدي فارغا الذي يقترب في رؤيته من تودوروف ليعرّفها على أنها «دراسة البنيات المتحكمة في الخطاب الأدبي...» ، في حين عرّفها هروشوفسكي بأنها «الدراسة النسقية للأدب كأدب. إنها تعالج قضية ما الأدب؟ والقضايا الممكنة المطورة منها، كـ: ما الفن في اللغة؟ ما هي أشكال وأنواع الأدب؟ وما طبيعة جنس أدبي أو نزعة ما؟ ما نسق فن خاص أو لغة خاصة لشاعر ما؟ كيف تتشكل قصة ما؟ ما هي المظاهر الخاصة لآثار الأدب؟ كيف هي مؤلفة؟ كيف تنتظم الظواهر غير الأدبية ضمن النصوص الأدبية؟».
تبرز الرواية بوصفها المجال الدراسي الذي تجد فيه الشعرية مبتغاها وإجرائياتها وأفقها الرحب، وبالمقابل أسهمت الرواية في تطوير الشعرية وتوسيع آليات بحثها واشتغالها. لذلك نجد فانسون جوف في كتابه (شعرية الرواية)، بعد أن يُعرّفها في مفهومها الأكثر عمومية بأنها دراسة الإجراءات الداخلية للأثر الأدبي، يؤكد «أنه يصعب اليوم تحليل نص ما دون التساؤل عن التقنيات التي يلتمسها والعناصر التي تشكله»، ومن هذا الأساس يمكن الانطلاق لفهم الشعرية وطبيعة ارتباطها بالنص السردي.

alidawwd@yahoo.com

الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

صدور المجموعة القصصية ( تشتعل ولا تضيء ) للكاتب (علي كاظم داود)


صدرت خلال شهر آب الجاري 2013  ، عن دار ( نون ) الإماراتية للنشر، المجموعة القصصية ( تشتعل ولا تضيء ) للكاتب العراقي (علي كاظم داود).

الأربعاء، 31 يوليو، 2013

رواية «طشّاري» لإنعام كجه جي: الإنسان العراقي في مواجهة الشتات


تواصل الكاتبة العراقية المقيمة في فرنسا «إنعام كجه جي» مشروعها الروائي اللافت، حيث صدرت لها مؤخراً روايتها الثالثة التي حملت عنوان «طشّاري» عن دار الجديد ببيروت، في 251 صفحة من القطع المتوسط توزعت على 41 فصلاً.
لم تخرج الرواية عن الإطار العام الذي اتسمت به تجربة الكاتبة، حيث تشاركت مع روايتيها السابقتين: «سواقي القلوب» و «الحفيدة الأمريكية»، في عناصر أساسية عديدة، منها: اللغة المطعّمة باليومي والمألوف، مع الاحتفاظ بالرصانة والاختزال والعمق والأناقة في التعبير. فهي تختزل المادّة الحكائية ولا تمكث فيها أكثر من اللازم، فلا تمطّها أو تحشوها بما هو فائض أو غير ضروري، ولا تُبقي إلا ما يبث فيها روح الحياة، وواقعية تفاصيلها وشجونها. وكذلك أسلوبها الحكائي المشوّق، ومسحة الفكاهة والسخرية وخفة الظل التي تشوب السرد، والتي تنقلب أحياناً إلى كوميديا سوداء. أما البناء العام للرواية فقد اعتمد، أيضاً، على تقنية التقطيع السينمائي، المونتاج، فقسمتها إلى فصول قصيرة، مثّل كل منها مشهداً يكاد يستقل بذاته عن ما يجاوره. فضلاً عن تأسيسها على نسق سردي متقطع، يستثمر تقنية الفلاش باك، فيقطع السرد مع نهاية بعض الفصول، ليعود إلى الوراء، مستخرجاً ما حوته الذاكرة من أحداث وحكايات. ويظهر جلياً التركيز على محنة المسيحيين العراقيين، وما عانوه داخل العراق أو في المهاجر، ومن ثم مآسي العراقيين ككل. كما وتحضر مدينة الموصل بوصفها منبعاً لمسيحيي الروايات. إضافة إلى ذلك التلاقي بين الأجيال، واختلاف وجهات النظر بينهم نحو القضايا والوقائع التي يعيشونها.
امتازت رواية «طشّاري» بتعدد الفضاءات الحكائية ومستويات وتقنيات السرد والأصوات وتباين التجارب والخبرات لشخصياتها. إنها منجزٌ مفعمٌ بالثراء والتنوع. ورغم أنها وقعت في اختبار التفوق على الحفيدة الأمريكية، الرواية المميزة للكاتبة، إلا أنها ربما لا تقل عنها شأناً وأهمية.
تبدأ الرواية بصوت الراوي العليم، مع لحظات وصول «الدكتورة ورديّة»، المسنّة العراقية، إلى قصر الإليزيه، لحضور حفل يقام على شرف البابا الذي يزور باريس، وقد دعي له عدد من اللاجئين المسيحيين العراقيين.
تقيم وردية وحيدة في مبنى للاجئين في الضاحية، غادرت العراق بعد عام 2003 الذي أتى له بالعنف الطائفي والفوضى، حيث انتقل شبح الترويع إلى الشوارع بعد أن كان حبيساً داخل مؤسسات الدولة. هاجرت بعدما وصلت الأحزمة الناسفة إلى عيادتها، وأوراق التهديد إلى حديقة منزلها البغدادي الذي بقيت فيه وحيدة.
لا يغيب عن الدكتورة، على طول الرواية، تذكّر الأبناء والأهل الذين توزعوا في المنافي، «كأنّ جزّاراً تناولاً ساطوره وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل الأماكن». وإضافة إلى صورة الجزّار الذي يقطّع الأشلاء، فإن الرواية ستقوم بتوظيف صور عديدة في نحوها السردي، لتعميق محنة الشتات العراقي، وأولها العنوان، بوصفه عتبة ممهدة وناطقة بلسان المحتوى، حيث تستخدم فيه مفردة عراقية تشير إلى التفرّق والتوزّع غير المنتظم، «طشّاري»، وهو الاسم الذي تعرف به إطلاقات بنادق الصيد التي تنفلق وتنتشر على مساحة كبيرة؛ لتصيب اكبر عدد ممكن من الطيور أو الحيوانات البرية الصغيرة. وكذلك صورة الساحرة الشريرة التي «تمسك بعصا البدد السحرية»، مستحضرة بها أفلام السحر والخيال، «تضرب الساحرة طاردة أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا. تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يحل بهم». أو تستدعي بعض رموز الخرافات والأساطير، كأن ترسل «طير اليباديد المنفلت من كتب الأساطير، ذاك الذي يحوم فوق أسطح البيوت الآمنة فيبعثر الأحبة ويفرقهم في البلاد».
يستعيد الراوي أيام شباب الدكتورة، وعملها في مدينة الديوانية، تلك المدينة الأليفة التي بقيت فيها ربع قرن، «ستؤرخ لهذا المكان مسقطاً لقلبها وسماء لطيفة حنت عليها ومنحتها الكثير من القليل»، عاشت هناك أحلى أيامها وتزوجت فيها وأنجبت، كما وولد على يديها نصف أبناء المدينة. تطوف في أجواء الماضي، بين الديوانية وبغداد، تصف أحوال الناس وشؤونهم ومشاغلهم، وتعمد إلى تمثيل وقائع التعايش والتسامح والمحبة التي كانت سائدة بين الناس، دون أن يلتفت أحد منهم إلى الفوارق الدينية والطبقية، صورة مثالية لم يعد لها مكان في سرديات اليوم. ومن خلال ذكرياتها تراجع مفاصل مهمة من تاريخ العراق، «إنه بلدٌ مدسوسٌ بين فكي الشيطان». سقوط الملكية وقيام الجمهورية، صراع الشيوعيين والقوميين، مجيء وذهاب البعثيين المتكرر، «وشايات وسجوناً ومنافي وجلوداً تتبدل وموتاً زؤاماً وبناءً شامخاً تحول إلى خرابة». تعرض، أيضاً، لمآسي وصعوبات العيش في التسعينات والحصار، وكيف تُرك العراقيون ليواجهوا مصائرهم وحدهم.
في باريس تستقبلها ابنة أخيها الأكبر، وبصوتها سنقرأ الكثير من أحداث الرواية، تحدثنا عن نفسها وعن عمّتها وعن ولدها الوحيد «اسكندر» وعن أحوال اللاجئين في فرنسا. ولدها اسكندر شاب ذكي ويمتلك مهارات كبيرة في الحاسوب، فيقوم بإنشاء مقبرة إلكترونية، ويبثها على شبكة الإنترنت، يجمع فيها موتى العائلة، لكي ينام كل منهم بجوار من يحب، بعد أن توزّعتهم أقاصي المعمورة. يعرضها على العمة وردية، التي تتطلع بعينين مذعورتين: «شواهد رخامية تتوزع بين أشجار خضراء، صلبان من رخام وخشب وذهب، أزهار نضرة»، قبور افتراضية أقام عليها شواهد ملونة، وأدخل عليها المؤثرات والمعلومات التي تخص كل دفين. تزدهر المقبرة، وتنتشر أخبارها بين المهاجرين، «اعترض بعضهم وعربد واعتبرها مخالفة للإيمان. وتحمّس لها الشباب. وجدوا في مقبرة العراقيين الإلكترونية حلاً سحرياً ولطيفاً لمواجهة الشتات».
تتجه الرواية في واحد من مساراتها السردية نحو البنت الكبرى للدكتورة. «هندة» المهاجرة في كندا، والتي ورثت المهنة من والدتها. تصور من خلال رسائلها واتصالاتها لوناً آخر من الاشتياق، وطقساً آخر من الغربة. تروي ما جرى عليها وعلى زوجها، حيث تركوا العراق بعدما ذاقوا مرارات حرب 1991. مكثوا في الأردن خمس سنوات على أمل العودة، ثم حصلوا على تأشيرة لكندا، فطاروا إليها. وبعد حياتها المرفهة في بغداد تصبح عاطلة وتبحث عن عمل، تواجهها مشاق طويلة حتى تعادل شهادتها وتسترجع مهنتها، فتذهب إلى منطقة بعيدة لمعالجة السكان الأصليين. ورغم الراحة التي منحتها لها ممارسة مهنة الطب في كندا، إلا أن «ثمة مرارة ما تحت اللسان. هناك غبن سيبقى كامناً في موضع ما من تاريخها الحميم؛ لأن يداً سلختها عن حياة سابقة»، وألقت بها في أقصى الأرض.

هذه الرواية لا تتفلسف أو تفكر كثيراً بصوتٍ عالٍ، بل تقدم ما جرى كما هو، بما تمتلكه من مهارة في الوصف الموجز والسرد الرشيق، ففي كل سطر ثمة معلومة جديدة وحدث آخر يثري فضاءها الحكائي.
------------------------
نشرت في جريدة الصباح.