الخميس، 27 سبتمبر، 2012

مقال : منحة التفرغ للكتابة



مؤخراً قبضت على رواية "بونساي" للكاتبة الدنمركية "كيرستن توروب". طالعت النبذة التي كتبتها مترجمة الرواية عن الحياة الإبداعية للكاتبة. تبدأ النبذة بالقول: "كاتبة دنمركية تفرغت للكتابة منذ العام 1970...". وفي فقرات لاحقة من المقدمة تضيف المترجمة: "بدأ مشوارها الأدبي في العام 1967...". أي أنها حصلت على منحة التفرغ مدى الحياة للكتابة الإبداعية من الدولة بعد ثلاث سنوات فقط من بدء مشوارها الأدبي.
في عالمنا سيبدو هذا كلامنا غريباً جداً، وفي العراق بالذات، فقد تكون منحة التفرغ للكتابة ضرباً من الخيال، للكتاب الذين قضوا اعماراً طويلة في الإنتاج الكتابي والابداعي، فضلاً عمّن له سنوات ثلاثة في هذا المضمار. بل ان بعض الادباء والكتاب الكبار يبلغون من الكبر عتياً ويعانون من امراض ويحتاجون لرعاية طبية ترافقها مناشدات كثيرة للمؤسسات الحكومية المعنية بهذا الشأن، دون ان يكون هناك رد فعل يعتد به.
تبرز أهمية منحة التفرغ للكتابة وتوفير أجواء مناسبة للكاتب في أنها ستمنحه ذهنية اقلّ انشغالاً بهموم المعيشة وأكثر انصرافاً للانشغال بمنجزه الإبداعي.. وهذا ما أردكته جيداً أغلب دول العالم الأول، مما وفّر مناخاً للمنجز الأدبي والكتابي تهيأ له من خلاله أن يشهد قفزات مهمة، مما جعله يحظى بالتميز على المستوى العالمي بعامة. فالإبداع تبعٌ بالضرورة للمبدعين، وليس من المنطقي ان تجد ابداعاً مرموقاً في بلد لا يعتني بمبدعيه عموماً، والكبار منهم على الأقل.. الا في حالات استبسال نادرة كالتي عاشها ويعيشها بعض كتاب العراق وبعض بلدان عالمنا الثالث. ولا أريد التطرق هنا لمنحة وزارة الثقافة التي لا تكفي لطباعة كتاب، وهي بطبيعة الحال لا تشمل الجميع.
هناك في بعض البلدان العربية حالات نادرة حصل فيها أدباء على منحة تفرغ، لكنها محدودة بعام أو عامين أو ثلاثة، ومشروطة بإنجاز معين.. مثلا تلك التي حصل عليها إبراهيم أصلان بعد توسط من نجيب محفوظ. اراد اصلان كتابة مجموعة قصصية جديدة وقت حصوله على المنحة، الا أنه اكتشف أنه ملزم بشرط كتابة رواية أو بحث، وليس مجموعة قصصية، فقرر عندئذ كتابته رواية، انصياعاً للشروط، وكانت الثمرة روايته "مالك الحزين".
لكن، بما أننا نعيش في بلد غني اقتصادياً ولا تعوزه الموارد. وقد عانت الاوساط الثقافية من الخراب طويلاً. ألا يحق لنا المطالبة بمشروع كهذا؟ مشروع دافع لعجلة الإبداع، ومحفز قوي للتميز والتنافس الخلاق. بل ربما يحق لنا المطالبة به بقوة للمبدعين الكبار على الأقل.. أولئك الذين أنفقوا أعمارهم من أجل أثراء المنجز الإبداعي العراقي، وأبقوا النبض في عروق الأدب والثقافة رغم كل تلك المآسي التي مرّت.
----------------------------
نشر في جريدة العالم
http://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=47517

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق