الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

العنوان والمُساءلة النقدية.. بغداد مُشتركاً في نمط العَنوَنة الروائية

يتخذ العنوان موقعاً محورياً في العمل الأدبي، لا يصدر عن فعل اعتباطي أو بمحض المصادفة؛ ووصفه بـ "ثريا النص" يمنحه أهمية كبيرة في الرؤية النقدية؛ فهو الضوء الكاشف منذ لحظة التعرف الأولى على فكرة النص أو الكتاب.
من اجل ذلك شاع في الدراسات النقدية الاهتمام بما يصطلح عليه بـ "العَنْوَنَة" والذي يعالج العنوان، دلالاته وشعريته وارتباطاته بالنص ومدى نجاحه في تمثيل ثيمته. ومن بين النقاشات التي دارت حول هذا المصطلح، ما طرحه الدكتور "لؤي حمزة عباس" في صفحة "أنفي يطلق الروايات" على الفيس بوك وتلته آراء متعددة أغنت الموضوع ومنحته وجهة نقديّة أكدت دور الصفحات  المتخصصة في الارتقاء بموضوعاتها عبر حوارات تتطوّر من خلالها الفكرة وتعدد سبل النظر إليها.
كتب د. لؤي حمزة: "أصبحت الإجابة على سؤال العَنوَنة في العمل الأدبي من بديهيات الدرس النقدي الذي منح العنوان ما يستحق من التأمل والمراجعة بوصفه عتبة مؤثرة من عتبات النص، لحظة أولى للتواصل والاشتباك، تدعونا للتفكير بما تخبئ النصوص من بواطن وما تؤجل من أسرار. طيّب، وماذا بشأن تداخل النمط في أكثر من عنوان روائي.. هل يقود نمط العَنوَنة في زمان ومكان معينين للتفكير بطبيعة الكتابة الروائية، والنظر إلى أهدافها، وما يشدّها من جواذب ومؤثرات؟ ذلك ما يدور في ذهني في اللحظة التي أتأمل فيها توجهاً شكّلت فيه (بغداد) مركزاً لإنتاج العنوان في أكثر من رواية عراقية راهنة: عجائب بغداد، أموات بغداد، مشرحة بغداد، فرانكشتاين في بغداد. ( للأعزاء: وارد بدر السالم، وجمال حسين علي، وبرهان شاوي، وعمل أخير أطلق عنوانه ولم ينشر بعد للصديق أحمد سعداوي)".
هو تأشير، إذن، لظاهرة اتسعت في الإصدارات الروائية، متخذة من الرمز المشترك، الذي اختار له د. لؤي حمزة "بغداد" مثالاً شهدت الرواية العراقية استثماره على نحو واسع. الروائي "أحمد سعداوي" أضاف عناوين اخرى استخدمت الرمز نفس بقوله: "ليس هذا فقط وانما (جريمة في بغداد) ـ حسب بعض الترجمات ـ لاجاثا كريستي، و(الجريمة، الفن، وقاموس بغداد) لعلي بدر، و(بريد بغداد) لخوسيه ميجيل باراس. شخصياً، مفردة بغداد في روايتي غير المنشورة بعد، مفردة محورية واساسية، ولا اخفي اني فكرت ـ بعد تدافع البغدادات هذه السنة ـ بتغيير العنوان حين ادفع الرواية للنشر، ولكن المشكلة ان عنوان (فرانكشتاين في بغداد) صار مشهوراً، وهناك فصول مترجمة من الرواية الى الانكليزية، ويتم التعامل معها على انها عمل محسوم".
إن مشاركة أحمد السعداوي تحيل الحوار إلى المشغل الشخصي للكاتب، وتقف عند واحدة من تجاربه في مساءلة عنوان عمله الروائي. عاد د. لؤي للتأكيد على فاعلية المُوجهات في إنتاج العَنوَنة، بقوله: " أفكّر في زمنية الانتاج ومكانيته، داخل لغة واحدة، بما يمكن أن تشكلا من جاذب صياغي، أو موجّه من ضمن موجّهات لإنتاج النمط. وأفكّر أيضاً: أن العنوان هو مناورة النص، لغزه، واحتياله، وأن تشكّل كلمةٌ ما نمطاً مركزياً للعنونة يعني أن نخفف من طبيعة المناورة النصيّة، ونقلل من شحنة الاحتيال، وهو ما يُدخل كثيرا من النصوص في دائرة لغز واحد، يقترحه الواقع بمؤثراته الفادحة".
الروائي ميثم سلمان رأى أن: "المسألة لها علاقة باللحظة التاريخية التي تمر بها بغداد. لحظة تغري الكاتب بتناولها، وتغري القارئ بمعرفة خفاياها. نحتاج لتأمل الروايات التي تحمل عناوينها مفردة بعينها ونرى إن كانت النصوص داخلة (في لغز واحد). هناك الكثير من العناوين احتوت على مفردة الحب مثلا، فهل تخضع نصوص هذه الروايات لمحددات هذه الفكرة؟".
عاود احمد سعداوي المشاركة في الحوار ليضيء فكرة أخرى بإضافته: "لا اعرف ان كنت توصلت الى نتيجة محددة. ولكن تبقى مفردة (بغداد) فاعلة ضمن بنية العنوان نفسه، كما ان العنوان بمجمله لا يحمل قيمة بذاته خارج اطلالته على النص وترابطه الدلالي معه. واذا تتبعنا تكرار مفردات محددة في عناوين الروايات سنجد الكثير. أتذكر هنا (القارئ البغدادي) للكاتب جبار ياسين ونزول طبعتها الايطالية الى الاسواق عشية غزو العراق في 2003، وكيف انها نفدت من الاسواق سريعاً واعيد طبعها لمرات بسبب ارتباط العنوان او مفردة منه (بغداد) بحدث اعلامي كبير. ومتابعة لهذا النقاش ـ والكلام لسعداوي ـ أقول: ربما تكون المفردة في العنوان ومن خلفها النص نفسه يستجلبان الإثارة القادمة من الميديا التي تعطي تفسيرها وقراءتها للواقع، كبديل عن التفسير الروائي والإثارة الجمالية والمعرفية الخاصة بفن الرواية".
عاد بعدها د. لؤي ليؤكد: "بأن نمط العنونة المشترك لروايات عدة يُدخلها ضمن أفق انتظار مشترك.. الروايات التي يدخل الحب ضمن عنواناتها تعمل على تهيئتنا لموضوع بعينه.. ترى هل تعمل روايات (بغداد) على الفرضية نفسها؟".
وعن هذا السؤال الأخير كتب ميثم سليمان: "كجواب سريع أقول نعم ستدخلنا الى افق بعينه، لكن مهمة الراوي هي بتناوله المختلف للموضوع، ورسمه خريطة بناء الهيكل العام لتقديم الموضوع، ومعالجته المميزة وفق رؤيته الخاصة إلخ... هذه الأمور هي ما يميز رواية عن أخرى وليس فقط جوهر الموضوع". 
الروائي وارد بدر السالم شارك في اغناء الحوار، كاشفاً وجهاً من وجوه قلق الكاتب ازاء العنوان وهو (يسترخي في تاريخيته النصيّة) حسب تعبيره: " تغير عنوان روايتي أكثر من مرّة، فمن " القرية البوذية" إلى " صياد الهويات" إلى "بوذا بغداد" حتى استقر (عجائب بغداد) في اللحظة الأخيرة والحاسمة بطريقة مفاجئة بالنسبة لي". وقد أوضح أن " العنوان يُحيل الى عتبة مكان وتاريخ ضمنياً، لكنه يسترخي تماماً في تاريخيته النصية حينما يستقر عند عام 2006 منذ أول شريحة وضعتها في الصفحة الأولى عن الراحلة أطوار بهجت لأتبّث زمنية الرواية وأبعد تاريخية بغداد المتداولة بيننا وأقف على مسافة النص وهو ينمو منذ مقتل أطوار الى الصعود الزمني للمدينة الذي تعرفون كل حيثياته، عبر بوابة بغداد التي امتثلت لواقع الحال في زمن الاحتلال، يبدو لي ان العنونة المشتركة للروايات التي ذكرها الدكتور لؤي انطلقت من بؤرة واحدة ورؤية مشتركة لبغداد في زمن معين ووقائع معينة في (جاذب صياغي) منبّه الى الثقل الكبير الذي تمثله بغداد حضاريا ونفسيا" ..
في سياق هذا النقاش شارك أيضاً الروائي سعد سعيد حيث كتب: "مثلما يكون العنوان إضاءة أولى للنص ومدخلاً لفهمه أحيانا، فإنه يكون في أحيان أخرى وسيلة الكاتب لمحاولة جذب القارئ إلى نصه عن طريق إثارة فضوله وهذا من حقه طبعا ما دام هو نفسه من سيدفع ثمن اختياره إن كان غير موفق، مثلما سيفيده التوفيق فيه.. ولكن تبقى العنونة مشروطة بالانتماء إلى صلب النص نفسه, ولعل تأثر الكتاب العراقيين بما حدث طوال السنوات السابقة في بلدهم هو الذي يفسر لنا نمط العنونة المشترك لعدد من الروايات العراقية".
فكرتي التي طرحتها خلال الحوار لم تذهب بعيداً عن الأفكار السابقة، حيث اعتبرت ان هذا التوجّه أو النسق العَنوَنيّ ، ربما يمثل فهماً جيداً لما تصنعه "بغداد" اليوم، او في السنوات الاخيرة، من بروباغاندا لكل ما تضاف اليه.. طبعاً ليس القصد من ذلك اتهام الكاتب، لأنه حاول ان يجعل عنوان روايته مألوفاً وقابلاً للتسويق، لكن على روايته ان تقدم تبريراً مقنعاً لكي تحمل هذا العنوان. يأتي هذا النمط في سياق ظاهرة عالمية لربط العناوين برموز سابقة، من قبيل استخدام "كافكا، دستويفسكي، دافنتشي، وحتى ماركيز" ككلمات محورية في العناوين، وهذه الظاهر العالمية تخضع أيضاً لنفس المساءلة النقدية.
------------------------
نشرت في جريدة المدى
http://almadapaper.net/news.php?action=view&id=70712

قناة المبدعين

كثيرا ما نسأل أنفسنا ـ نحن المصابين بداء الكتابة ـ عن جدوى ما نكتب، وهل ثمة ما تستطيع كتاباتنا تغييره في الواقع، تغييرا للأفضل طبعا .. ونعلل أنفسنا، دون أن نجيب على السؤال، بأن علينا الكتابة والقيام بواجبنا تجاه المجتمع. 
لكن ما يصدم كل منشغل بهمّ البحث عن أية فرصة أو محاولة للفت انتباه المجتمع إلى ما هو افضل أو ارشاد القراء الى ثقافة غائبة أو حكمة أو تجربة يمكنهم الاستفادة منها أو تطوير ذهنياتهم من خلالها، عبر ما يختطه بيمينه في مقال أو قطعة ادبية أو كتاب ... ما يصدمه حقا هو واقعنا الذي لا يوفر للمبدع أو صاحب الموهبة، فضلا عمن يريد تعلم طرائق الابداع، عونا أو اجواء تحفزه وتيسر الطريق له لكي يعطي كل ما في وسعه.
حقيقة ما يقوم به الكتاب والباحثون والمبدعون في بلدنا اليوم هو أنهم يحفرون في الصخر ، وليس هذا من قبيل المبالغة .. فهم يتحدون قساوة الواقع ليقدموا شيئا ما .. هؤلاء الذين قد يمر الناس على أعمالهم ومنجزهم دون مبالاة ، ودون ان تستشعر المؤسسة الثقافية والرسمية وجودهم لكي تسعى جاهدة ـ وهو واجبها ـ لتوفير كل اساليب ووسائل الإبداع والانتاج لهم ورفع أو تخفيف الضغوطات التي ناؤوا بها طيلة عقود طويلة من زمن استبداد الجهل وتسيده السلطوي، وانسحاب آثاره على عراق اليوم.
أليس من واجب المؤسسة الحكومية توفير مراكز ومؤسسات ثقافية حقيقية للبحث والدراسة والتطوير؟ أليس من حق المبدع العراقي على الدولة ـ كما هو في كل البلدان المهتمة بهويتها الحضارية ـ أن يحصل على الدعم المعنوي وحتى المادي بوصفه العنصر الفاعل في سبيل تغيير أفكار المجتمع وتصحيح مساراته الخاطئة وبناء حضارته المعرفية تماشيا مع معطيات عصرنا الحاضر واستشرافات المستقبل؟ كما أن على الدولة ـ إن وفرت له متطلباته ـ مطالبته بمنجزه وما يقدمه في اطار برامج ومناهج يفترض أنها وضعت للرقي بالمجتمع وانتشاله من براثن الامراض المجتمعية المتفشية حالياً.. ولا أعني بذلك اخضاع المثقف لما تريده السلطة، بل جعله رقما في عملية النهوض بالثقافة المجتمعية التي لا يمكنه بمفرده تحقيقها دون وجود مؤسسات بحثية ومراكز دراسات تخصصية ومكتبات ضخمة واندية ثقافية ونوافذ اطلاع واسعة على الثقافات العالمية ووسائل انتشار وتواصل مع المتلقين .. فمن مميزات الدولة الحديثة انها دولة مؤسسات، ومن أهم مؤسساتها تلك المعنية بالثقافة، لا الثقافة الشكلية غير الفاعلة ، بل ثقافة التغيير التي تمتلك ثقلا حقيقيا وآثارا واضحة في مجتمعاتها.
في هذا الإطار خصصت وزارة التعليم العالي قناة للمبدعين والموهوبين لغرض التقديم للدراسات العليا في الجامعات العراقية، وهذا شيء جيد، ولكن الوزارة جعلت هذه القناة خاضعة لجميع الشروط المنصوص عليها والسارية على القنوات الأخرى، (كما جاء في ضوابط التقديم والقبول في الدراسات العليا للعام الدراسي  2011 - 2012) مما جعل المبدع العراقي ملزماً بشرطي المعدل والعمر اذا رغب التقديم عبر هذه القناة. 
ما اريد لفت الانتباه له والمطالبة به ان تُستثنى هذه القناة من هذا الشرط، (كما هو الحال في قناة ذوي الشهداء مثلاً) حيث ان المعدل الذي حصل عليه الطالب قبل سنوات عديدة وفي ظروف صعبة لن يكون ضابطاً وشرطاً عادلاً يحتكم إليه فيما لو حقق إنجازات توصف بأنها إبداع في مجال اختصاصه وأراد الاستمرار بهذا الطريق وتعضيده بمواصلة الدراسة.. كما ان شرط العمر يعد شرطاً قاسياً وأبدياً على المبدع الذي تجاوز العمر المطلوب.
--------------------
http://www.alsabaah.com/ArticleShow.aspx?ID=30526

في شعرية السرد .. قراءة لرواية زيد الشهيد (أفراس الأعوام)


استحضرت حالما وقع بصري، أول مرة، على عنوان رواية زيد الشهيد "أفراس الأعوام" والصادرة في سوريا عن دار تموز 2011، تلك الخاصية التي اكتسبها الزمن مؤخراً، أو منذ لحظة انطلاقه ـ متى انطلق فعلاً؟! ـ في أنه يعدو كالخيول، طاحناً تحت حوافره تواريخ المدن والبشر، ومثيراً غبار الأسماء والصور.
تحتفي الرواية منذ لحظاتها السردية الأولى بالتاريخ، تاريخ الإنسان المقهور في المدينة (الخطأ!) .. المدينة الخطأ لمن يأتي ليتحكم بها من الأجانب. بهذا تكتشف انها رواية ممانعة ومقاومة، ثيمة ستأخذ حيزها في الفصل الاول من الرواية. حتى أن الخلاف الدائم بين شقي سكنة المدينة (الشرقيين والغربيين) يختفي في أوقات التهديد الخارجي، ويعود للظهور بعد زواله. ما يشير إلى ان فعل المقاومة لا ينبع من وعي مكتمل، بل من تعصب. فهي في الوجه الآخر مدينة موت، يُقتنص إنسانها لأتفه الأسباب، بيد إنسانها أيضاً. والموت، فيها، هو المنتصر دائماً.
في مفاصل التحولات تبرز ظاهرة السلب والنهب. ما ان يسقط حكم، حتى تنهب ممتلكاته، لتعود إلى الشعب المقموع والمحروم!. بل وممتلكات من كانوا يعملون كموظفين في مؤسسات تلك الدولة المنهارة!.
ثمة سارد عليم يمسك بأعنة أفراس الأعوام، يروي أحداثها ويضيء تفاصيلها ويصف شخصياتها، لكن صوته يعلو ـ أحياناً ـ في أسلوب وعظي معلن، أو في تفسيرات لا تترك مجالاً للتأمل والتأويل، أو استطرادات تثقل على القارئ الذي ينتظر تلك الأحداث الجاذبة والمشوقة والأهم في الرواية. ويأخذ دور السارد في بعض الاحيان شخصيات الرواية، ليرووا احداثاً هم الاقرب لها لحظة وقوعها، والابلغ وصفاً لأثرها في نفوسهم. بينما يتمظهر السرد، أحياناً أخرى، عبر رسائل متبادلة بين شخصين، لتسجيل أو وصف بعض الأحداث.
تشير الرواية في بعض المفاصل إلى ظواهر سياسية عاشها العراق في عهود سابقة، منها التمييز والتهميش على أساس طائفي، في اختيار المسؤولين، وفي التعليم.. يترسخ هذا التمييز في العقل الحاكم، بينما يتلاشى أثره، على الأغلب، في تفكير الفرد الذي يعيش في هذه الرواية.
تسير "أفراس الأعوام" بلغة رصينة متماسكة ومتقنة، مطعّمة بلمحات وصور شعرية عذبة، تروق للقارئ مرهف الحس. الا ان هذه الشعرية تطغى ـ وتغطي أحياناً ـ على بعض اللحظات، فتمنح للحدث جناحين يأخذ بالتحليق بهما متعالياً على واقعية الرواية المفترضة. وهذه الشعرية تبرز وتشتد مع قصة جعفر ووهيبة، الفتى الفقير والفتاة ابنة الموظف الحكومي الكبير في ذلك الوقت. والعقدة في علاقتهما تؤشر إلى تلك الفوارق الطبقية السائدة في المجتمع العراقي منذ الحكم العثماني وحتى وقت قريب. هذه العلاقة ستواجه مشاكل كثيرة وتهديدات خطيرة، فلم يعد ما يفصل بينهما نهر فقط، يقتسمان ضفتيه، بل حواجز من التطرف المذهبي أيضاً.
تأتي الرواية كذلك على فترة دخول العراق تحت طائلة الاحتلال الانكَليزي، وتذكر تلك الإغواءات التي مارسها على الاهالي في مدينة السماوة ، واساليبه في استمالة رضاهم بتواجده بينهم. وثم نشوب الثورة ضده، قريباً من تلك البقاع. كما تصف الرواية بعض الظواهر الشعبية والشعائر الدينية التي يمارسها المجتمع.
تتناسل بين صفحات "أفراس الأعوام" التي تبلغ (347) صفحة،  خيبات وضياعات متوالية ، وثمة فقدٌ دائم. يذكّر الراوي بذلك ملمّحاً أو مصرّحاً بين حين وآخر. فمثلما غادرت وهيبة تغيب بهية، وآخرون غيرهما.
هو تاريخ العراق، إذن، بأحداثه المرصعة بالخيبات، تستقصي الرواية منعطفاته المهمة، صراعاته السياسية المتعاقبة، والإقصاءات، والقمع السلطوي، وما سقط إثر هذا التاريخ من ضحايا. ضحايا رأي، وآخرون لا رأي لهم، الا ان الحوافر سحقتهم صدفة.
من المشاهد السحرية النادرة في الرواية، مشهد اندفاع الذئاب، المتخيلة، إلى فضاء الحكي، مع تأجج شعلة الرغبة. ذئاب تنبثق من الباب ومن السقف، في لحظات استثارة البطل، "جعفر"، ومحاولات إغوائه، من قبل إحدى عاملات "التياترو". "بهية" التي ظهرت لتؤدي هذا الدور في الرواية وتغيب إلى الأبد. هذه الذئاب ستظهر مرة أخرى، دون سبب جلي، أثناء مكوثه في السجن. السجن الذي دخله لتهمة سياسية، حكم عليه إثرها، ومجموعة معه، بالإعدام. لكن عفواً من الملك تداركه، لينجو من الموت.
تتوالى الخيبات، بعد عودته إلى المدينة، التي تجفوه وتتنكر له، فيدفعه ذلك للخروج إلى البادية، طلباً للصفاء والحرية، ولكي يمارس الهواية التي عشقها، وهي الرسم. فيرسم هناك الجياد وهي تعدو كأفراس الأعوام.
تنتهي الرواية، التي قدمت "وصفاً للمكان وقراءة للزمان"، باعتزال البطل، ليختار الجلوس على التل، في مدينة لم يرضَ عنها، لكن لم يستطع تركها والرحيل عنها. ومن ثم بعد ذلك يموت بعد أسبوع واحد من بلوغه نبأ موت وهيبة، التي لم يرها منذ مغيبها في الزورق الصاعد عبر النهر.
جعفر عاش، وكان شاهداً على، حياة مدينة حملت عبر تاريخها الطويل، وهو تاريخ وطن بمعنىً ما، "متناقضات مختلفة وانفعالات شتى"، وشهد كل تلك التحولات الكبرى في تاريخ العراق، والسماوة منذ أواخر الحكم أو الاحتلال العثماني، وحتى قبيل نهاية حكم عبد الكريم قاسم.