الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

في شعرية السرد .. قراءة لرواية زيد الشهيد (أفراس الأعوام)


استحضرت حالما وقع بصري، أول مرة، على عنوان رواية زيد الشهيد "أفراس الأعوام" والصادرة في سوريا عن دار تموز 2011، تلك الخاصية التي اكتسبها الزمن مؤخراً، أو منذ لحظة انطلاقه ـ متى انطلق فعلاً؟! ـ في أنه يعدو كالخيول، طاحناً تحت حوافره تواريخ المدن والبشر، ومثيراً غبار الأسماء والصور.
تحتفي الرواية منذ لحظاتها السردية الأولى بالتاريخ، تاريخ الإنسان المقهور في المدينة (الخطأ!) .. المدينة الخطأ لمن يأتي ليتحكم بها من الأجانب. بهذا تكتشف انها رواية ممانعة ومقاومة، ثيمة ستأخذ حيزها في الفصل الاول من الرواية. حتى أن الخلاف الدائم بين شقي سكنة المدينة (الشرقيين والغربيين) يختفي في أوقات التهديد الخارجي، ويعود للظهور بعد زواله. ما يشير إلى ان فعل المقاومة لا ينبع من وعي مكتمل، بل من تعصب. فهي في الوجه الآخر مدينة موت، يُقتنص إنسانها لأتفه الأسباب، بيد إنسانها أيضاً. والموت، فيها، هو المنتصر دائماً.
في مفاصل التحولات تبرز ظاهرة السلب والنهب. ما ان يسقط حكم، حتى تنهب ممتلكاته، لتعود إلى الشعب المقموع والمحروم!. بل وممتلكات من كانوا يعملون كموظفين في مؤسسات تلك الدولة المنهارة!.
ثمة سارد عليم يمسك بأعنة أفراس الأعوام، يروي أحداثها ويضيء تفاصيلها ويصف شخصياتها، لكن صوته يعلو ـ أحياناً ـ في أسلوب وعظي معلن، أو في تفسيرات لا تترك مجالاً للتأمل والتأويل، أو استطرادات تثقل على القارئ الذي ينتظر تلك الأحداث الجاذبة والمشوقة والأهم في الرواية. ويأخذ دور السارد في بعض الاحيان شخصيات الرواية، ليرووا احداثاً هم الاقرب لها لحظة وقوعها، والابلغ وصفاً لأثرها في نفوسهم. بينما يتمظهر السرد، أحياناً أخرى، عبر رسائل متبادلة بين شخصين، لتسجيل أو وصف بعض الأحداث.
تشير الرواية في بعض المفاصل إلى ظواهر سياسية عاشها العراق في عهود سابقة، منها التمييز والتهميش على أساس طائفي، في اختيار المسؤولين، وفي التعليم.. يترسخ هذا التمييز في العقل الحاكم، بينما يتلاشى أثره، على الأغلب، في تفكير الفرد الذي يعيش في هذه الرواية.
تسير "أفراس الأعوام" بلغة رصينة متماسكة ومتقنة، مطعّمة بلمحات وصور شعرية عذبة، تروق للقارئ مرهف الحس. الا ان هذه الشعرية تطغى ـ وتغطي أحياناً ـ على بعض اللحظات، فتمنح للحدث جناحين يأخذ بالتحليق بهما متعالياً على واقعية الرواية المفترضة. وهذه الشعرية تبرز وتشتد مع قصة جعفر ووهيبة، الفتى الفقير والفتاة ابنة الموظف الحكومي الكبير في ذلك الوقت. والعقدة في علاقتهما تؤشر إلى تلك الفوارق الطبقية السائدة في المجتمع العراقي منذ الحكم العثماني وحتى وقت قريب. هذه العلاقة ستواجه مشاكل كثيرة وتهديدات خطيرة، فلم يعد ما يفصل بينهما نهر فقط، يقتسمان ضفتيه، بل حواجز من التطرف المذهبي أيضاً.
تأتي الرواية كذلك على فترة دخول العراق تحت طائلة الاحتلال الانكَليزي، وتذكر تلك الإغواءات التي مارسها على الاهالي في مدينة السماوة ، واساليبه في استمالة رضاهم بتواجده بينهم. وثم نشوب الثورة ضده، قريباً من تلك البقاع. كما تصف الرواية بعض الظواهر الشعبية والشعائر الدينية التي يمارسها المجتمع.
تتناسل بين صفحات "أفراس الأعوام" التي تبلغ (347) صفحة،  خيبات وضياعات متوالية ، وثمة فقدٌ دائم. يذكّر الراوي بذلك ملمّحاً أو مصرّحاً بين حين وآخر. فمثلما غادرت وهيبة تغيب بهية، وآخرون غيرهما.
هو تاريخ العراق، إذن، بأحداثه المرصعة بالخيبات، تستقصي الرواية منعطفاته المهمة، صراعاته السياسية المتعاقبة، والإقصاءات، والقمع السلطوي، وما سقط إثر هذا التاريخ من ضحايا. ضحايا رأي، وآخرون لا رأي لهم، الا ان الحوافر سحقتهم صدفة.
من المشاهد السحرية النادرة في الرواية، مشهد اندفاع الذئاب، المتخيلة، إلى فضاء الحكي، مع تأجج شعلة الرغبة. ذئاب تنبثق من الباب ومن السقف، في لحظات استثارة البطل، "جعفر"، ومحاولات إغوائه، من قبل إحدى عاملات "التياترو". "بهية" التي ظهرت لتؤدي هذا الدور في الرواية وتغيب إلى الأبد. هذه الذئاب ستظهر مرة أخرى، دون سبب جلي، أثناء مكوثه في السجن. السجن الذي دخله لتهمة سياسية، حكم عليه إثرها، ومجموعة معه، بالإعدام. لكن عفواً من الملك تداركه، لينجو من الموت.
تتوالى الخيبات، بعد عودته إلى المدينة، التي تجفوه وتتنكر له، فيدفعه ذلك للخروج إلى البادية، طلباً للصفاء والحرية، ولكي يمارس الهواية التي عشقها، وهي الرسم. فيرسم هناك الجياد وهي تعدو كأفراس الأعوام.
تنتهي الرواية، التي قدمت "وصفاً للمكان وقراءة للزمان"، باعتزال البطل، ليختار الجلوس على التل، في مدينة لم يرضَ عنها، لكن لم يستطع تركها والرحيل عنها. ومن ثم بعد ذلك يموت بعد أسبوع واحد من بلوغه نبأ موت وهيبة، التي لم يرها منذ مغيبها في الزورق الصاعد عبر النهر.
جعفر عاش، وكان شاهداً على، حياة مدينة حملت عبر تاريخها الطويل، وهو تاريخ وطن بمعنىً ما، "متناقضات مختلفة وانفعالات شتى"، وشهد كل تلك التحولات الكبرى في تاريخ العراق، والسماوة منذ أواخر الحكم أو الاحتلال العثماني، وحتى قبيل نهاية حكم عبد الكريم قاسم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق