السبت، 7 ديسمبر، 2013

بين السرقة والتناص


كثيراً ما يتحدث الشعراء عن التناص، ويتباهون بقدرتهم المميزة على استثماره لإثراء نصوصهم الشعرية... وبالفعل فإن التناص له أثر إيجابي في بنية النص الأدبي. لكن الغريب أنهم ـ في مقابل ذلك ـ يُجهدون أنفسهم ـ أحياناً ـ في تتبع نصوص وقصائد الآخرين؛ لعلهم يعثرون على أي تشابه بينها وبين نصوص سابقة لهم، ولو من بعيد، لكي يتهموا أولئك الآخرين بالسرقة منهم!
في مقابل ذلك تكشف مباحث التفاعل النصّي أو المتعاليات النصية لدى جيرار جينيت عن أنماط عديدة من التلاقي بين النصوص، حيث لن يُعدم القارئ الفاحص من إرجاع أية حالة من حالات التقارب اللفظي أو المعنوي بين النصوص إلى واحد من تلك الأنماط. لذلك أرى أن التقارب اللغوي والمعنوي والدلالي لا يمكن أن يُعد سرقة أدبية، فهذا من قبيل السُنّة النصّيّة لكي تستمر دورة الكتابة في الحياة، في حين أميل إلى القول أن السرقة تقتصر على ما نُقل حرفياً فقط، دون الإشارة إلى مصدره.
تكتسب النصوص الأدبية قيمة مضافة من خلال القنوات النصّية أو التناصية التي تربطها، بطريقة واعية، مع نصوص أخرى، فمنذ جوليا كرستيفا ومباحث التناص تتسع أكثر فأكثر على أيدي الباحثين، حتى صارت تشمل جميع حالات التلاقي والتحاور والتقارب والتعالق النصّي.
ربما علينا أن نتذكر دائماً، حيال موضوع التناص، تلك المقولة ـ التي أعتقد بصدقها إلى مديات بعيدة ـ أن الشاعر الجيد يسرق، أما الشاعر السّيئ فيُقلّد، وهو ينطبق على جميع مجالات الكتابة وليس الشعر فقط... ولكن كيف ذلك؟ أرى بأن الكاتب والشاعر الجيد ـ وهو قارئ نوعي بامتياز ـ يلتقط الأفكار اللامعة من نصوص عديدة، فيعمد إلى إعادة تصنيعها وصياغتها بشكل جديد، فتظهر ـ باحترافه الشعري أو الكتابي ـ كما لو كانت جديدة وأصيلة. قد تنطلي تلك الظاهرة على كثيرين، لكن القارئ المحترف هو من يستطيع الكشف عن السرقة، والتي لا يمكن إلا أن تُعدّ ـ نقدياً ـ تناصّاً إيجابياً، لأن هذا التناص أسهم في تطوير النص الجديد والارتقاء به، بخلاف التقليد الذي يسلكه الشعراء والكُتّاب السيّئون، أي أنه تناص سيّئ، لم يتفاعل مع النصّ السابق ولم يُضفِ عليه شيئاً، بل أعاد كتابة الفكرة بطريقة هابطة. ولكي لا يُفهم مني التناقض مع ما سبق، أقول ثانيةً: إنه تناصٌّ وليس سرقة، لأني أرى في السرقة ما جاء حرفياً دون الإشارة لمصدره.
أتصور أن مفهوم التناص يحتاج إلى إعادة فهم أكثر من حاجته إلى إعادة تعريف، فالقدر المتوفر في الدراسات الخاصة بذلك تفي بالغرض، وأذكر منها كتاب الدكتور محمد عبد الرضا شياع المعنون (الخلفية النصّية الاسبانية والشعر العربي المعاصر، بحث في التفاعل النصّي) والصادر عن دار تموز في دمشق خلال هذا العام.
التناص حتمية أدبية. وأعني بالحتمية الأدبية، ضرورته في تكوين الطبيعة النسيجية للنصوص ـ بحسب بارت ـ والتي تُحتّم تآزر الثقافات التي يحملها الكاتب أو الناصّ، في تكوين نسيج النص، وتلك الثقافات ـ بطبيعة الحال ـ خليط كبير من النصوص السابقة، ستظهر في ما يكتبه، سواء شَعَرَ بذلك أم لم يشعر، وما يُروى عن نصيحة المُعلم الكوفي إلى تلميذه أبي نؤاس بأن يحفظ ألف قصيدة ثم ينساها قبل أن ينظم الشعر، يصلح للتدليل على هذه الفكرة.

alidawwd@yahoo.com

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

الوقوف على حافة العالم: النقد بذائقة فلسفية


يرتبط النقد بالفلسفة ارتباطاً وثيقاً، فمنها يستعير الاشتغال النقدي طبيعته الحفرية في أعماق النصوص على اختلافها، ومن خلال التأسيس على أسئلتها الكبرى يستخرج ما تضمره تلك النصوص من أجوبة فكرية وإبداعية تتعلق بقضايا الوجود  الأساسية.
بتلك الذائقة المفعمة بالأسئلة المُلحّة ينجز علي حاكم صالح كتابه النقدي القيّم والمعنون (الوقوف على حافة العالم) الصادر هذا العام (2013) عن منشورات الجمل في بيروت وبغداد معاً، وفي (142) صفحة من القطع الوسط، متناولاً فيه التجربة الإبداعية لاسمين شعريين عراقيين بارزين هما (محمود البريكان وسركون بولص). ينقسم الكتاب إلى مقالتين أو فصلين: أولهما يقتصر الكلام فيه على الشاعر البصري محمود البريكان، وجاء تحت عنوان (في الطريق إلى البريكان)، وثانيهما مُخصص للحديث عن الشاعر سركون بولص، وكان عنوانه (سركون بولص: ضيف المسافة).
يُصدّرُ المؤلف لكتابه بمقدمة مهمة، رغم قصرها، تضمنت رؤاه واعتناقاته الشخصية حيال فن الشعر وبعض قضاياها، ويرى فيها أننا «لن نتوفر يوماً على تعريف واحد ونهائي للشعر يحيط بماهيته أو حدوده». ويبرر ذلك بالقول: «ليس للشعر ماهيةً تسبق تحققاته الفردية. إن الشعر كما الإنسان وجودهُ أسبق من ماهيته». وأحسبُ أن هذه الرؤية تحتاج إلى تأملات مطوّلة لِكُنْهِهَا واستيعابِ عمقها وثرائها. ولأن الشعر تحققات وتجارب فردية فهو يرى أن على من يمارس نقد الشعر أو قراءته أن يكتب بطريقةٍ «تتقصّى الدلالات الضمنية والبعيدة، وتقلب الباطن إلى ظاهر»، وذلك بالنظر لكون الشعر، الحديث والمعاصر منه بالخصوص، يُضمر أكثر مما يُظهر، ويُلمّحُ أكثرَ مما يُصرّح، ويخفي أكثرَ مما يُبدي، وهذا الكلام ينطبق، بطبيعة الحال، على النماذج الواعية والراقية فقط، لا على تلك النماذج المتخبطة في هلوسات العدمية واللامعنى.
إن التبصّر بكتابة علي حاكم صالح يكشف أنها تحمل بصمات ورؤى مفكّرٍ، بصماتٍ تَظهَرُ خطوطها بوضوحٍ يفوق ما تبديه هذه الكتابة في ثناياها من جهد ناقد. ورغم ذلك، فإن التفريق بينهما ـ أي المفكر والناقد ـ ضرب من التجوّز والتنزّل، فكلاهما مهووسان ومهمومان بطرح الأسئلة، أكثر من بحثهما عن الأجوبة، وكلاهما مشغولان بالأفكار وسبل إنتاجها والكشف عنها في مواضع كمونها واختبائها، ولذا ربما يكونان الأجدر بصفة المثقف. إلا أن ما جعلنا نُرجّحُ صفة المفكر لهذا الكاتب كون ما قرأناهُ له جدير بأن يوصف بأنه: كتابةٌ ضالّتُها الحِكمة.
من بين ما تميّزت به هذه المدوّنة قولبتها، أحياناً، في إطار استرسالات وانثيالات، إلا أنّها تسعى في النهاية لاستقصاء الدلالات، حيث تأخذ بالدوران حول بعض التعابير والصياغات المُشعّة؛ لكي تولّدَ منها المعاني، كما لو أنّها تقوم بتقشير المضامين الشعرية الكثيفة، وانتزاع الطبقات القارّة عنها، للوصول إلى جواهرها الكامنة.
صَنعَ الكاتبُ برهافةِ حسٍّ وذائقةٍ شفافةٍ نصّاً محايثاً مفعماً بالشعر والخيال، وضاجّاً بالرؤى النقدية العميقة، وناضحاً بالأفكار الجذّابة والمغرية. إنها تجربة تحليقٍ فريدةٍ، أو سقوطٍ حرٍّ في فضاء فسيح، لا منهج يحكمها إلا هوى الكاتب وميله الشخصي في استقراء هذه النصوص وتذوقها، دون غيرها. إنّه إنصاتٌ لصوت الشاعر، وتحديقٌ مستغرقٌ في ملامح عالمه الشعري، وهي «تأملات غير مكتملة» بتعبير الكاتب نفسه، الذي أكّد ـ أكثر من مرّة ـ تحرره من أية منهجية مسبقة، أو طريقة تناول صارمة، لكي يبرّئ عمله من أية مساءلة نقدية قد تثار ضده. إلا أن هذا التبرؤ ربما لا يعصمهُ تماماً من مقاضاة النقد، لأنّ اشتغاله على استنطاق النصوص، واستنباط المعرفي والفلسفي والثقافي الكامن في متنها الأدبي، جعله يقترب، بهذا المقدار، من مناهج نقدية متداولة، لعل من أوضحها النقد الثقافي، خصوصاً وأنه عمد إلى المزاوجة بين الشاعر ومنجزه الشعري، في سياق ما اصطَلحَ عليه بـ ­«المؤشرات اللا نصّية».
يرى الكاتب أن «ثمة تداخل إنساني وشعري مميز بين تجربتي البريكان وسركون»، كما يرى أنهما قد تجرّدا عن كل ما هو لا إنساني، وتجرّدا للعيش من أجل الشعر بوصفه مهمة نهائية لهما، وبذلك التلاقي بين التجربتين، شعرياً وإنسانياً، يُبرر إقدامه على جمعهما في كتاب واحد. كما يصف الشاعرين بأنهما «شاعرين أصيلين»، ولا يعلل الكاتب أصالتهما بجودة شعرهما فقط، بل بأنّهما قد عاشا متوافقين تماماً مع ما كتباه، وهنا يُنوّه أنه لا يستسيغ الفصل بين الشاعر وشعره، تبعاً لكونه لا يستطيع الفصل بين الإنسان وفعله، وهذا ينبع من موقف فلسفي حتماً.
ينصرف الكاتب إلى تجلية علاقة الشاعرين بالشعر الذي اختارا أن يُطلا من نافذته على العالم، فيقول، مثلاً، عن تجربة البريكان الشعرية، التي استغرقت مدة طويلة من الزمن، أنّ ما كان يُسيّرُها هو الوعي بطبيعة الشعر، ودوره في كتابة الهم الإنساني الجوهري، ويصفها بأنها«تعبير عن همّ إنساني عام يتجاوز التحديدات التاريخية الجزئية ليصعّدها إلى منزلة ماهيّة مشتركة عامة تجلّت تاريخياً». ويرى أن قصائد البريكان تكشف عن انشداده وانهمامه بتشييد «أركان عالمٍ متكاملٍ يراه هو بطريقته الخاصة». في مقابل ذلك يرى الكاتب في سركون بولص شاعراً «ينتمي إلى فصيلة من الشعراء النادرين الذين كرسوا حياتهم لشعرهم، ليس كتابة فقط ـ فليس ثمة فرادة في هذا ـ بل كان شعره هو هذه الحياة التي عاشها بكل مفترقاتها ومفارقاتها ومراراتها وأحزانها ومُتعِها الزائلة، وشيء آخر أهم أنه كان متوافقاً مع شعره الإنساني».
تلتقط هذه الكتابة سمات الفرادة والتميّز للشاعرين، فتصف سركون بأنه «ليس من نوع الشعراء الذين يكتبون ألف قصيدة عسى أن تكون عشرة منها جيّدة». في حين ينظر إلى البريكان بوصفه ذلك الشاعر الذي «يعي جيداً ماذا يكتب، ويعي جيداً رؤيته الفكرية المقولة شعرياً». وهذا يؤشر إلى أن الكاتب يرى أن هذين الشاعرين لا يكتبان إلا ما كان جديراً بالتدوين، ولا يقولان إلا الشعر الذي يثريه الوعي، وتُؤصّلُه التجربة الإنسانية، وتعلي من شأنه الأفكار.
----------------------
نشرت في جريدة الصباح العراقية 24/ 11/ 2013

الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

عن مفهوم الشعرية

لسنا هنا بصدد الإلمام بتحولات واتجاهات مفهوم الشعرية، ولا الادعاء بالأخذ بتعريف قطعي له؛ لأنها، ربما، تعد من أشكل المصطلحات وأكثرها زئبقية والتباساًً، كما يقرر بعض الباحثين. لذلك فإن ما سنعرض له هنا لا يعدو عن كونه نظرة سريعة لهذا المفهوم، وتسجيل بعض التعريفات المتداولة له.
بدأ مفهوم الشعرية مساره على يد الناقد الشكلاني واللساني رومان جاكوبسون، الذي رأى أن موضوع الشعرية الإجابة عن السؤال: «ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً». ثم تناوله تزفيتيان تودوروف في أثره الهام (الشعرية). حيث ينطلق تودوروف من البحث في الخصائص الأدبية عموماً، ليصوغ مفهوماً عاماً للشعرية، التي يحدد موضوعها بأنه ليس هو العمل الأدبي، بل البحث في خصائص الخطاب الأدبي، أو اقتراح نظرية داخلية لبنية الخطاب الأدبي واشتغاله، بوصفه تمظهراً لبنية مجردة وعامة، ويرى أنها تسعى إلى الكشف عن القوانين العامة التي تنظم ولادة كل عمل أدبي، وتبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، «فالشعرية، إذن، مقاربة للأدب (مجردة) و(باطنية) في الآن نفسه».  هذا الفهم الذي يصوغه تودوروف يتعالق بصورة ما مع مفهوم الأدبية الذي أسس له جاكوبسون، ويشار به إلى وضع سيميائي نوعي للنصوص الأدبية، ويتقاطع أيضاً مع مفهوم علم الأدب لدى رولان بارت، الذي أراده علماً لشروط المضمون، أي للأشكال، ليهتم بتغيرات المعنى المُحدَثة، أو بالمعاني الممكنة التي تحدثها الأعمال الأدبية.
يتبين بذلك أن الشعرية هي نظرية لدراسة الأنساق الحاكمة في بناء النص الأدبي، وأنماط الخطاب الأدبي الفاعلة فيه؛ لهذا نجد تودوروف يحدد، في إطار الشعرية، مجموعة مظاهر ومستويات لدراسة النصوص، حيث يعتقد بثباتها واستقرارها في الخطاب الأدبي، ويقسمها إلى ثلاثة مظاهر: المظهر اللفظي، والمظهر التركيبي، والمظهر الدلالي.
في محايثة ذلك كانت هناك جهود وإضافات مهمة لباحثين كثر في إطار دراسة مفهوم الشعرية ونطاق اشتغالاتها، ومن بين أبرزهم: جان كوهين، وميشال ريفاتير، وجوناثان كولر، وجيرار جينيت، وكيبيدي فارغا الذي يقترب في رؤيته من تودوروف ليعرّفها على أنها «دراسة البنيات المتحكمة في الخطاب الأدبي...» ، في حين عرّفها هروشوفسكي بأنها «الدراسة النسقية للأدب كأدب. إنها تعالج قضية ما الأدب؟ والقضايا الممكنة المطورة منها، كـ: ما الفن في اللغة؟ ما هي أشكال وأنواع الأدب؟ وما طبيعة جنس أدبي أو نزعة ما؟ ما نسق فن خاص أو لغة خاصة لشاعر ما؟ كيف تتشكل قصة ما؟ ما هي المظاهر الخاصة لآثار الأدب؟ كيف هي مؤلفة؟ كيف تنتظم الظواهر غير الأدبية ضمن النصوص الأدبية؟».
تبرز الرواية بوصفها المجال الدراسي الذي تجد فيه الشعرية مبتغاها وإجرائياتها وأفقها الرحب، وبالمقابل أسهمت الرواية في تطوير الشعرية وتوسيع آليات بحثها واشتغالها. لذلك نجد فانسون جوف في كتابه (شعرية الرواية)، بعد أن يُعرّفها في مفهومها الأكثر عمومية بأنها دراسة الإجراءات الداخلية للأثر الأدبي، يؤكد «أنه يصعب اليوم تحليل نص ما دون التساؤل عن التقنيات التي يلتمسها والعناصر التي تشكله»، ومن هذا الأساس يمكن الانطلاق لفهم الشعرية وطبيعة ارتباطها بالنص السردي.

alidawwd@yahoo.com

الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

صدور المجموعة القصصية ( تشتعل ولا تضيء ) للكاتب (علي كاظم داود)


صدرت خلال شهر آب الجاري 2013  ، عن دار ( نون ) الإماراتية للنشر، المجموعة القصصية ( تشتعل ولا تضيء ) للكاتب العراقي (علي كاظم داود).

الأربعاء، 31 يوليو، 2013

رواية «طشّاري» لإنعام كجه جي: الإنسان العراقي في مواجهة الشتات


تواصل الكاتبة العراقية المقيمة في فرنسا «إنعام كجه جي» مشروعها الروائي اللافت، حيث صدرت لها مؤخراً روايتها الثالثة التي حملت عنوان «طشّاري» عن دار الجديد ببيروت، في 251 صفحة من القطع المتوسط توزعت على 41 فصلاً.
لم تخرج الرواية عن الإطار العام الذي اتسمت به تجربة الكاتبة، حيث تشاركت مع روايتيها السابقتين: «سواقي القلوب» و «الحفيدة الأمريكية»، في عناصر أساسية عديدة، منها: اللغة المطعّمة باليومي والمألوف، مع الاحتفاظ بالرصانة والاختزال والعمق والأناقة في التعبير. فهي تختزل المادّة الحكائية ولا تمكث فيها أكثر من اللازم، فلا تمطّها أو تحشوها بما هو فائض أو غير ضروري، ولا تُبقي إلا ما يبث فيها روح الحياة، وواقعية تفاصيلها وشجونها. وكذلك أسلوبها الحكائي المشوّق، ومسحة الفكاهة والسخرية وخفة الظل التي تشوب السرد، والتي تنقلب أحياناً إلى كوميديا سوداء. أما البناء العام للرواية فقد اعتمد، أيضاً، على تقنية التقطيع السينمائي، المونتاج، فقسمتها إلى فصول قصيرة، مثّل كل منها مشهداً يكاد يستقل بذاته عن ما يجاوره. فضلاً عن تأسيسها على نسق سردي متقطع، يستثمر تقنية الفلاش باك، فيقطع السرد مع نهاية بعض الفصول، ليعود إلى الوراء، مستخرجاً ما حوته الذاكرة من أحداث وحكايات. ويظهر جلياً التركيز على محنة المسيحيين العراقيين، وما عانوه داخل العراق أو في المهاجر، ومن ثم مآسي العراقيين ككل. كما وتحضر مدينة الموصل بوصفها منبعاً لمسيحيي الروايات. إضافة إلى ذلك التلاقي بين الأجيال، واختلاف وجهات النظر بينهم نحو القضايا والوقائع التي يعيشونها.
امتازت رواية «طشّاري» بتعدد الفضاءات الحكائية ومستويات وتقنيات السرد والأصوات وتباين التجارب والخبرات لشخصياتها. إنها منجزٌ مفعمٌ بالثراء والتنوع. ورغم أنها وقعت في اختبار التفوق على الحفيدة الأمريكية، الرواية المميزة للكاتبة، إلا أنها ربما لا تقل عنها شأناً وأهمية.
تبدأ الرواية بصوت الراوي العليم، مع لحظات وصول «الدكتورة ورديّة»، المسنّة العراقية، إلى قصر الإليزيه، لحضور حفل يقام على شرف البابا الذي يزور باريس، وقد دعي له عدد من اللاجئين المسيحيين العراقيين.
تقيم وردية وحيدة في مبنى للاجئين في الضاحية، غادرت العراق بعد عام 2003 الذي أتى له بالعنف الطائفي والفوضى، حيث انتقل شبح الترويع إلى الشوارع بعد أن كان حبيساً داخل مؤسسات الدولة. هاجرت بعدما وصلت الأحزمة الناسفة إلى عيادتها، وأوراق التهديد إلى حديقة منزلها البغدادي الذي بقيت فيه وحيدة.
لا يغيب عن الدكتورة، على طول الرواية، تذكّر الأبناء والأهل الذين توزعوا في المنافي، «كأنّ جزّاراً تناولاً ساطوره وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل الأماكن». وإضافة إلى صورة الجزّار الذي يقطّع الأشلاء، فإن الرواية ستقوم بتوظيف صور عديدة في نحوها السردي، لتعميق محنة الشتات العراقي، وأولها العنوان، بوصفه عتبة ممهدة وناطقة بلسان المحتوى، حيث تستخدم فيه مفردة عراقية تشير إلى التفرّق والتوزّع غير المنتظم، «طشّاري»، وهو الاسم الذي تعرف به إطلاقات بنادق الصيد التي تنفلق وتنتشر على مساحة كبيرة؛ لتصيب اكبر عدد ممكن من الطيور أو الحيوانات البرية الصغيرة. وكذلك صورة الساحرة الشريرة التي «تمسك بعصا البدد السحرية»، مستحضرة بها أفلام السحر والخيال، «تضرب الساحرة طاردة أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا. تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يحل بهم». أو تستدعي بعض رموز الخرافات والأساطير، كأن ترسل «طير اليباديد المنفلت من كتب الأساطير، ذاك الذي يحوم فوق أسطح البيوت الآمنة فيبعثر الأحبة ويفرقهم في البلاد».
يستعيد الراوي أيام شباب الدكتورة، وعملها في مدينة الديوانية، تلك المدينة الأليفة التي بقيت فيها ربع قرن، «ستؤرخ لهذا المكان مسقطاً لقلبها وسماء لطيفة حنت عليها ومنحتها الكثير من القليل»، عاشت هناك أحلى أيامها وتزوجت فيها وأنجبت، كما وولد على يديها نصف أبناء المدينة. تطوف في أجواء الماضي، بين الديوانية وبغداد، تصف أحوال الناس وشؤونهم ومشاغلهم، وتعمد إلى تمثيل وقائع التعايش والتسامح والمحبة التي كانت سائدة بين الناس، دون أن يلتفت أحد منهم إلى الفوارق الدينية والطبقية، صورة مثالية لم يعد لها مكان في سرديات اليوم. ومن خلال ذكرياتها تراجع مفاصل مهمة من تاريخ العراق، «إنه بلدٌ مدسوسٌ بين فكي الشيطان». سقوط الملكية وقيام الجمهورية، صراع الشيوعيين والقوميين، مجيء وذهاب البعثيين المتكرر، «وشايات وسجوناً ومنافي وجلوداً تتبدل وموتاً زؤاماً وبناءً شامخاً تحول إلى خرابة». تعرض، أيضاً، لمآسي وصعوبات العيش في التسعينات والحصار، وكيف تُرك العراقيون ليواجهوا مصائرهم وحدهم.
في باريس تستقبلها ابنة أخيها الأكبر، وبصوتها سنقرأ الكثير من أحداث الرواية، تحدثنا عن نفسها وعن عمّتها وعن ولدها الوحيد «اسكندر» وعن أحوال اللاجئين في فرنسا. ولدها اسكندر شاب ذكي ويمتلك مهارات كبيرة في الحاسوب، فيقوم بإنشاء مقبرة إلكترونية، ويبثها على شبكة الإنترنت، يجمع فيها موتى العائلة، لكي ينام كل منهم بجوار من يحب، بعد أن توزّعتهم أقاصي المعمورة. يعرضها على العمة وردية، التي تتطلع بعينين مذعورتين: «شواهد رخامية تتوزع بين أشجار خضراء، صلبان من رخام وخشب وذهب، أزهار نضرة»، قبور افتراضية أقام عليها شواهد ملونة، وأدخل عليها المؤثرات والمعلومات التي تخص كل دفين. تزدهر المقبرة، وتنتشر أخبارها بين المهاجرين، «اعترض بعضهم وعربد واعتبرها مخالفة للإيمان. وتحمّس لها الشباب. وجدوا في مقبرة العراقيين الإلكترونية حلاً سحرياً ولطيفاً لمواجهة الشتات».
تتجه الرواية في واحد من مساراتها السردية نحو البنت الكبرى للدكتورة. «هندة» المهاجرة في كندا، والتي ورثت المهنة من والدتها. تصور من خلال رسائلها واتصالاتها لوناً آخر من الاشتياق، وطقساً آخر من الغربة. تروي ما جرى عليها وعلى زوجها، حيث تركوا العراق بعدما ذاقوا مرارات حرب 1991. مكثوا في الأردن خمس سنوات على أمل العودة، ثم حصلوا على تأشيرة لكندا، فطاروا إليها. وبعد حياتها المرفهة في بغداد تصبح عاطلة وتبحث عن عمل، تواجهها مشاق طويلة حتى تعادل شهادتها وتسترجع مهنتها، فتذهب إلى منطقة بعيدة لمعالجة السكان الأصليين. ورغم الراحة التي منحتها لها ممارسة مهنة الطب في كندا، إلا أن «ثمة مرارة ما تحت اللسان. هناك غبن سيبقى كامناً في موضع ما من تاريخها الحميم؛ لأن يداً سلختها عن حياة سابقة»، وألقت بها في أقصى الأرض.

هذه الرواية لا تتفلسف أو تفكر كثيراً بصوتٍ عالٍ، بل تقدم ما جرى كما هو، بما تمتلكه من مهارة في الوصف الموجز والسرد الرشيق، ففي كل سطر ثمة معلومة جديدة وحدث آخر يثري فضاءها الحكائي.
------------------------
نشرت في جريدة الصباح.

الأربعاء، 3 يوليو، 2013

نشيد الذكرى - قصة قصيرة

زحمة الحياة ـ حياتنا التي تبدو فارغة ـ لا تسمح إلا نادراً باقتناص الذكريات. ذكرياتنا الموحشة والبريئة.
في هذه المدرسة كنت طالباً، قضيت المتوسطة، والرابع الإعدادي، ثم انتقلت إلى مدرسة أخرى لأكمل الإعدادية في الفرع الأدبي. اليوم، وبعد أن تضاءلتْ كثيراً وهرمت، أعود إليها. لكنها ما زالت تحتفظ بتلك الرائحة الرطبة. إذا استثنيت المدير، اثنان فقط ممن قاموا بتدريسي سيصبحان زميلين لي. الآخرون ماتوا أو تقاعدوا أو انتقلوا لمدارس أخرى. هذان المدرسان سيحظيان مني بطريقة تعامل مختلفة، فما تزال صورتي كتلميذٍ لهما راسخة في ذهني. أتذكر كيف كنت أجلس على الرحلة، ضئيلاً ومشاكساً، وهما يلقيان الدروس.

أدخل على الصف الأول فأتذكر أني كنت أجلس في المنتصف جوار النافذة. أنظر إلى الساحة، التي ضاقت كثيراً، وأضيف إليها مرميان لكرة السلة. في وسطها وقفت، وكان الطلاب جميعهم ينظرون نحوي، والمدرسون أيضاً، يا لها من ورطة! أنا من طلب إلقاء قصيدة عن السيف والقلم، في ذلك الاحتفال المدرسي. عندما هتفوا باسمي كاد قلبي يكسر واحداً من أضلاعي، وشعرت بوجهي يلتهب، أعرف أنه صار أحمر كالطماطم، لكنني لم أتلعثم في إنشاد القصيدة التي طالت كثيراً فصارت كمعلقة، رغم أني لم أنتقِِ منها غير سبعة أبيات.

ها... الزجاج مازال مكسراً في أغلب النوافذ، رغم أن الإدارة تستبدله في كل عام. تكسيره هواية ممتعة وأبدية للطلاب. وهم أول المتضررين منها، باعترافهم، خصوصاً عند اشتداد الشتاء. كنت أتفنن في ممارسة هذه الهواية، أجلب قطعة حديد مدببة أو مسماراً بطول نصف قلم رصاص وأضرب، خلسةً، الزاوية السفلى للزجاجة، فتنتشر فيها الشقوق دون ان تنكسر، ثلمة صغيرة فقط في موضع الضربة المتقنة، بعد أيام قليلة تتهاوى جميع القطع وتتعرى النافذة.

الجدران والرحلات تحمل الخربشات والنشرات الساذجة والتذكارية، نفسها تقريباً. لا ادري إن كانت الكتابة بحثٌ عن البقاء عبر أثرٍ ما، أم أنها مجرد نزقٍ وشقاوةٍ غير واعية.

عند دخولي الإدارة كانت الشمس تسيلُ بأشعتها الصافية من خلال زجاج النافذة الخالي من الستائر، فترسم على بلاط المكتب غير المفروش مستطيلاً مشعّاً، ينثلم من إحدى زواياه مضيئاً جزءا من منضدة الخشب السميك طويلة العمر، عمرها قد يناهز عمر بناية المدرسة التي أنشئت في بداية التسعينات، وصار هو مديرها منذ يومها الأول وما يزال.

دخلت عليه أول مرة حاملاً ورقة انتقالي إلى المدرسة وبعد عدة دقائق فكرت في تمزيق الورقة والعودة من حيث أتيت، رغم المسافة الطويلة جداً والتي كنت اقطعها يوميا وحيث لا مجال للمقارنة بهذه المدرسة القريبة... لكن ما توقعته للوهلة الأولى أنني لن اقضي أوقات عمل مريحة هنا بسبب المدير ، إلا أنني آثرت الانتظار عدة أيام قبل اتخاذ القرار الأخير.

نفس الهيأة طالعتها. ففي المرات القليلة التي دخلت فيها الإدارة أراني وجها صارماً وشعوراً متخشباً سيتشبث بذاكرتي حتى يوم عودتي للمدرسة.

ـ تريد إجازة... إذا مات أبوك أعطيك إجازة. رُح للصف.
ـ أستاذ!!!
ـ رُح.

هو شبيه إلى درجة لا تصدق بشخصية محقق في رواية بوليسية ، فهو لا يفارق البذلة الرمادية ويضيف لها المعطف الأسود شتاءاً. علامته الفارقة لا في وجهه بل على رأسه، وهي طاقية سوداء من الفرو الصناعي،  محمرّة لكثرة ما لوّحتها الشمس. يخفي تحتها صلعةً لم يرها أحد. أمازح زملائي أحياناً بأنه ربما ينام بها أيضا... ورغم قصر قامته ونحافته وعينيه الثاقبتين ، ووجهه المائل للاصفرار، كأنه مصاب بمرض عضال، وشكله الموحي بالخبث، وترصده لهفوات الآخرين، وبحثه عن الصغيرة والكبيرة في هذه البناية التي لن تنتقل فيها ذبابة من مكان إلى آخر إلا بعلمه ورضاه. إلا أنه رجل طيب في قرارة قلبه، وهذا ما لا يمكن اكتشافه بسهولة، ويمتلك روحا صافية يندر العثور على مثلها، وله وجه واحد يتعامل به مع الجميع لا وجوهاً متعددة يرتدي أياً منها أنّى شاءت مصلحته.. وما تصرفاته على ذاك النحو الذي يعطي انطباعا سيئاً نحوه ، إلا لتضخم روح الإحساس بالمسؤولية لديه.
تحدثت معه عدة مرات ، مثلما يفعل اغلب الزملاء، كنت اكرر عليه دائما أن هذه مدرسة من آلاف المدارس يمكن تسيير أمورها بيسر وبساطة وبلا تعقيد وتوتير للأجواء ، فلا حاجة لإقامة الدنيا وإقعادها من اجل حلقة إجرائية زائدة أو أمر روتيني لا يكاد يتذكره أحد في مدارس أخرى... لكن كأنني كنت بأحاديثي هذه أتقمص دور دون كيخوته لأحارب طواحين المدير.

من المهام التي لم يتخلّ عنها يوماً ملاحقة عصابة المدرسة. كثيرا ما يداهم مكان اجتماعهم، والذي لم يتغير منذ كنت طالباً، قرب ركن المدرسة الأبعد عن الإدارة لجهة الساحة المتروكة التي صار جزء منها مكباً للنفايات. يتناقلون السجائر بين أفواههم، ويتدارسون خططاً شيطانية لا تنتهي، كما لو كانوا من عصابات المافيا العالمية. يتبادلون نكاتاً وحكايات مشحونة بالممنوعات. يلعبون القمار والنرد على ما بحوزتهم من مبالغ زهيدة جنوها من ابتزاز أو سرقة أو خداع زملائهم. كبيرهم عرّابهم الذي بلغ قبل أوانه بعد أن رضع مع الشيطان، هو العقل المدمر والمُطاع للمجموعة. غالبا ما يطلقون عليه الوحش، ويجب أن يحمل سكيناً صغيرة، وسبق أن دخل السجن.

الآن وبصراحة بالغة لا تهمني المدرسة ولا المدير ولا الأولاد ولا حتى أنا، بقدر ما يهمني ايجاد نهاية تلملم خيوط القصة. صورة نهائية مكونة من قطع مركبة بتناسق وانتظام.
أفكر طويلا. يوتّرني كثيرا النظر إلى رأس القلم المتربص على مقربة من الورقة، متأهباً لاقتناص أية فكرة مغرية. عندما يشعر القلم بالعقم يرتجف بين أصابعي. هو انعكاس لارتجافٍ باطني أحسّه عندما تخذلني الذكريات.
أفكر حتى مع رشفات كوب الشاي اليومي، وسيلة الترفيه الوحيدة في المدرسة، والذي يتغير طعمه كل يوم بيد عاملة الخدمة العجوز التي لا تكاد تحسن عملاً. تختلط حلاوته بمرارته التي تشبه مرارة الإحباط اللاذعة.

يبقى أمر النهاية يراودني في كل حين. بات يؤلمني كثيراً. في مساءٍ عقيمٍ يضيق صدري ويُعتصر قلبي حتى يضطرب نبضي وتنفسي. كأن كل ثقل الذكريات يأتي ليضغط على أضلاعي. أمر غريب جداً!. أريد إتمام قصة قصيرة وهذا أمر قد لا يأبه به أحد، فلِمَ أصابُ بكل هذه الآلام والاختلاجات ...؟ أفكرُ في تمزيق أوراقي، لكن لا أقوى أبداً على تنفيذ هذه الفكرة. فأحاول الخلود إلى النوم.

في الصباح أسمع الجرس. ادخل الصف فلا يقوم التلاميذ، اجلس على الرحلة وقد سبقني المدير والمدرسون، فيقف الطلاب قرب السبورة، وبينهم عصابة المدرسة. يأخذون بتوجيه الأسئلة نحوي، عندما أجيب يطلبون التصفيق، فأصفق وحيداً، وعندما لا أجيب يطلبون أن ابسط كفّيّ للعقاب.

 ------------------------------
نشرت في مجلة إمضاء وموقع سين.

الأربعاء، 19 يونيو، 2013

التمثيل الرمزي في رواية «سواقي القلوب» لإنعام كجه جي


تنجح بعض الروايات في تقديم عوالم متداخلة، وتاريخ شخصي لأسماء عديدة، وفضاءات مختلفة، في إطار سردي واحد، ومتن روائي متجانس؛ لما تمتاز به من قدرة محاكاة عالية للقبض على الواقع، وإمكانية كبيرة لاستيلاد عوالم جديدة من رحم الخيال المتماهي مع ذلك الواقع، بوصفه صورة متخيّلة له. ومن بين الروايات التي نرى أنها حققت ذلك، أو نسبة جيّدة منه، رواية «سواقي القلوب» للكاتبة العراقية المقيمة في فرنسا «إنعام كجه جي» ، والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2005.
ينبني السرد في هذه الرواية على نسق زمني متقطّع، وفصول قصيرة يقدم كل منها مشهداً منفصلاً، لتكوّن الفصول، الثمانية والثلاثين، بمجملها، المتن الروائي الذي نتعرف فيه على حكايات الشخصيات، والمفاصل المهمة في حيواتها. كما ويهيمن الصوت المنفرد على الرواية، حيث يأتي سردها على لسان بطلها، المشارك في أحداثها، دون أن يكشف عن اسمه، لكي يكون بذلك رمزاً لمغتربين كثر. موجهاً خطابه إلى متلقٍّ ضمني، هو أحد شخصيات الرواية الرئيسية، ويسميه باسمه «زمزم» ، فينتظم قسم من متنها تحت ضمير المخاطب.
أمضى البطل زهرة حياته مغترباً في باريس، التي يرى فيها الموطن الأرحم والمأوى الأكثر أماناً بل «قلب العروبة النابض» ؛ فقد كانت ملتقىً للعرب المهاجرين من مختلف الجنسيات. حلم بالعودة، لكنه حين عاد لم يكن بمفرده، فقد رافقه العجوز «كاشانيّة خاتون» العراقية من أصل أرمني، والناجية من مذبحة الأرمن. ومعهما تابوت يحوي جثمان فتاة اسمها «سارة».
يمارس، هناك، بعض الأنشطة الأدبية، فيترجم مسرحية لمارغريت دوراس، أو يبدأ بكتابة رواية. كما يقوم بترجمة المقالات ويرسلها إلى بعض الصحف العربية؛ ليكسب منها عيشه ويحفظ ماء وجهه. فيمر من خلال بعض هذه المقالات على أحداث كبرى، كسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان في نظره «صنماً جميلاً ومثالاً يحتذى في الوطن الحر والشعب السعيد» فكان انهياره صدمة كبيرة أصابته «بالخرس المعنوي». كما ويسترجع، أحياناً، ذكريات الطفولة ومشاكسات أيام الدراسة في الكرادة، في نفس المحلة التي كانت تسكنها «سراب» في طفولتها.
لاذ بباريس بسبب نشاطه السياسي، بعد أن ضاقت به أرض العراق، أو ضاق بها. التقى زمزم في حديقة اللوكسمبورغ التي كان يقضي فيها أشهر تشرده الأولى في تلك المدينة. يحكي لصديقه، ولنا أيضاً، من وجهة نظر متأخرة، ومن خلال الاسترجاع، عن ذلك الاتصال المفاجئ، القادم من العراق، والذي حمل صوت المرأة التي طلبها يوماً للزواج فرفضه أهلها «نجوى» ، لكي توصيه برعاية ولدها «ساري» الوحيد بين ثلاثة إناث، عند قدومه بمفرده إلى باريس لإجراء عملية جراحية.
يترقب مجيء «ساري» بعد ذلك الاتصال، ويتضح ان هذا الشاب يعاني من مشكلة نفسية، فلم يكن مقتنعاً بكونه ذكر؛ لذلك يجازف بالاتصال بصدام، فيطلب هذا حضوره، ويلتقيه ويسمع منه، فيقتنع بحالته، ويخصص له مبلغاً كبيراً للعلاج في فرنسا. فيسافر إليها وحيداً، ليستقبله الراوي، فيعرض لقضية تغيير الجنس بتدخل جراحي ونظرة المجتمع لهذه الحالة النادرة. يتحول ساري إلى سارة، ويختار البقاء في باريس التي تمنحه الحرية، بخلاف ما إذا عاد إلى العراق، حيث سيكون مهدداً بالوقوع في دوامة مشاكل لا طاقة له على مواجهتها.
زمزم قادم من الجنوب، من السماوة تحديداً، إلى باريس، سعياً وراء شهادة مرموقة لم ينلها احد من أبناء عشيرته، يدرس للحصول على الدكتوراه، في التاريخ الحديث. يستفزه تاريخ الخاتون فيبدأ بتسجيل ما ترويه له، بواسطة الكاميرا، عن مذبحة الأرمن التي راح فيها أبوها وبقية أهلها، فانتقلت أمها التي كانت حاملاً بها إلى الموصل، لتموت أمها فيها وتتعهد تربيتها امرأة مسلمة، تخبرها بعدما تكبر أنها مسيحية أرمنية وتعلمها على ارتياد الكنيسة، بينما كانت هي تفرش لامها بالتبني سجادة الصلاة، في تمثيل لظاهرة التسامح بين الأديان. وتستعيد الخاتون، في بوحها لزمزم، أحداثاً وأسماءَ عجيبة لأناس رحلوا «وصارت عظامهم مكاحل».
في أجواء الغربة، التي تعتصر القلب، لا عزاء للمغتربين سوى الإنصات للناطقين بلغة الوطن. يتعرف السارد على امرأة عراقية اسمها «سراب»، من خلال «جبرا إبراهيم جبرا» و «الباهي محمد». وهما من الشخصيات الحقيقية في متن الرواية المتخيل، ووجودهما، كمشاركين في بعض أحداثها، يوهم بأنها وقعت فعلاً. وقد حذّره الباهي من التقرب إليها ؛ لأنها «عند ذاك تختفي مثل السراب». لكنه لم يعمل بالنصيحة، فتوطدت علاقته معها، إلى أن يظهر مرض كامن في رئتيها ويقضي عليها، لتكشف له قبل موتها أن اسمها «روزا سمعان». وأنها سافرت في شبابها إلى بيروت، وعادت غاوية لليسار، لاعبة بالنار، التي ستكوي أصابعها بلا رحمة، وتتعرض للتعذيب والسجن، فتهرب إلى الخارج وتستقر في باريس.
يشير الراوي إلى أنه تعرّف قبل سراب على «سوزان» ويرمز بها لأولئك النسوة الطيبات اللواتي يأخذن بأيدي المغتربين، ثم يتركونهن أو يتركنهم ما إن تشتد أعوادهم. فيذكّر بسوزانات طه حسين وفائق حسن وإسماعيل الشيخلي وغيرهم.
يحذره صديق قديم يعمل في القنصلية العراقية بباريس أن «الجماعة» سيقتصّون من زمزم، لأنه بدأ بالتطاول عليهم بعد فصله من الحزب. ويبدؤون بمراقبته ومحاولة استدراج سارة لجلب أدلة ضده، لكنها ترفض التعاون معهم، فيؤدي ذلك إلى قتلها خنقاً، وإلقائها في إحدى حدائق المدينة المشبوهة.
تعالج الرواية، سردياً، موضوعات عديدة، كالغربة والتحولات التاريخية والسياسية. وتوجه إدانات شديدة للحروب التي أكلت الأخضر واليابس، وللتقارير الأمنية والحزبية التي ملأت المقابر والسجون، وكذلك للثورات الدموية، التي تُعرف في رائحة الدخان المنبعث من حدائق البيوت الخلفية؛ إذ «مع كل انقلاب يحرق الناس صور العهد السابق».
توظف الرواية أسماء وشخصيات ووقائع حقيقية، في إطار متخيل. وإضافة إلى ما تمتلكه هذه الحقيقيات من رمزية، فإنها تساهم في زيادة منسوب الإيهام بواقعية الحكاية. بينما تنطوي أسماء الشخصيات المتخيلة على طاقة إيحائية كبيرة، بما يمكن تسميته بالتمثيل الرمزي، الناتج عن مقاربة سيرة الشخصية، داخل الرواية، وما يستدعيه الاسم الذي تحمله من دلالات. فكانت سراب رمزاً للغياب، وزمزم الصديق النقي كالنبع في زمن الغربة، وسوزان التي تذكّر بعدد كبير من السوزانات، وساري ذلك الفتى العليل في المسلسل التلفزيوني المعروف، وكاشانية تلك المرأة الأصيلة التي تتجدد كلما مرّ عليها الزمان. وقد جمعت المشاعر الإنسانية السليمة بين هؤلاء، فكانوا يلتقون في منزل كاشانية خاتون مثل عائلة واحدة متوادّة، رغم اختلافاتهم العرقية، وأصولهم المناطقية المتباينة، ومعتقداتهم الدينية والسياسية المتعددة.
تحتشد الرواية بتقنيات سرد غزيرة منها: الحلم الذي تتجسد فيه الغربة ونوازع ورغبات الشخصية ومخاوفها. والرسالة والوثيقة اللتان يتضح من خلالهما أحوال بعض الشخصيات ودوافعها. والمسرحية التي تجسد مشكلات المغتربين وعلاقاتهم الاجتماعية بالمواطنين، ونظرة بعض هؤلاء نحوهم. والفيلم الذي يصوّر عجائز يرفضن إخلاء بيوتهن الواقعة في جزيرة مهددة بالغرق، بينما لا تصدق العجائز أن وراء البحر أرضاً تصلح لبناء بيت. فضلاً عن التسجيلية التي توثق الذكريات والأحداث ذات المغزى في النسيج النصّي. والوصف التصويري لبعض المشاهد والأماكن أو الحالات الداخلية، إضافة للحوارات المباشرة أو الهاتفية. وكذلك توظيف تقنية المونتاج والتقطيع المشهدي الذي توزعته فصول الرواية... كل ذلك تجمع الرواية بين شتاته بلغة رصينة مقتصدة، لكنها هجينة، تغترف كثيراً من اليومي والدارج العراقي؛ لتذهب بعيداً في التعبير عن حقائق الشخصيات وسلوكياتها التي تتناسب مع مقتضيات العصر، ولتقترب بذلك من غايتها في دفع القارئ إلى محاولة تجسيد الأحداث في ذهنه، وكأنه يراها.

الاثنين، 10 يونيو، 2013

قمرٌ حزين ـ قصة قصيرة

"لا وجود في الحياة لنهايات، وإنما توجد عتبات".
إيزابيل الليندي.

قرأ والده في دفتر يومياته بصوتٍ متهدج، رافقته دموع أمّه وأخواته:
(كانت جذوع النخل ترقص على موجات الماء المتهادية، شبر من الماء يغطيها، تسرّب عبر قنوات سرية من النهر الممتلئ، فغطّى البستان بكامله، وتسللت معه اسماك صغيرة تغري الأطفال باصطيادها.
أخذتُ أنصبُ الشِباك الصغيرة للأسماك، أو أقضي الساعات الطويلة ممسكاً بخيط الصنارة التي تحمل الطعم، وأحيانا أقفز محاولا إمساكها بيديّ، فتغوص قدماي بطين النشوة. أركض ضارباً المياه الضحلة، مفرغاً كل شحنات الشغف بالحياة، حياتي الصغيرة، في ضحكٍ مفعم وعميق.
ذلك الوقت، حيث كنت أراقب القمر وقد رسمت تضاريسه وجهاً ضاحكاً، كان بالنسبة لي حياة فريدة لا مثيل لها، لطالما تمنيت عودته في أيام عمري الآتية.
انتهت تلك الأيام منذ ان نشفت الأرض وتحولت إلى سباخ. قلّ ولعي باللعب وانكببت على الدراسة، فصارت شاغلي الوحيد، حتى تفوقت على جميع أقراني في كل مراحلها، وها قد وصل اليوم الذي لا بدّ ان أسافر فيه للدراسة في الجامعة).

نظر إليهم قبل أن يستقل الحافلة، كانوا يقفون كالعسكر، مثل دمىً صغيرةٍ ضاحكةٍ بلهاء. أخذ يتأمل وجوههم، كما لو أنه فَقَدَ شيئاً كان يوشك أن يتذكره، ينتظرون سماعه، شيءٌ ما نأى في طرف من أطراف ذاكرته منذ أزمان، لكنّه فكّ بعض رموزه، ثم غام فجأة وتلاشى إلى الأبد.
نظر إليهم وهم ينظرون إليه بأعين جامدة، كما لو كانت مشدودة إليه، مشدودة إلى تابوته، الذي لم يستلقِ فيه لحدّ الآن، تابوته الذي صُنع في داخل كل واحدٍ منهم.

ودّعهم وركب، فانغلق الباب وانطلقت الحافلة. عندما وصل إلى العاصمة، وفي طريقه إلى العنوان الذي تدلّه عليه ورقة كتبت بخط والده، توقف عند هاتف عمومي، واتصل بهم، ليخبرهم بوصوله. تلقوا كلماته بتوجس ولهفة. تبادلوا عدة كلمات وأسئلة مقتضبة، ثم لاذوا بصمتهم وانتظارهم الخفي.
رافقه المطر الخفيف إلى وجهته، عبر طرق مزدحمة يخنقها دخان السيارات، وبعد أسئلة متعددة عن وسائل النقل التي عليه ان يستقلها والأزقة التي لا بد ان يسلكها وصل إلى القسم الداخلي، فبادر إلى الاتصال من هناك وطمأنهم بأنه وجد بغيته أخيراً. عندها بردت تلك الحرارة التي كانت تسكن قلوبهم.

لم يكن لديه صديق، ولا أخ ذكر. كان يقرأ لوحده ويفضل الانزواء والصمت، كأنّ له زمن يختلف كلياً عن زمن المحيطين به، زمن بارد، بعيد، يمتد في نفسه الصغيرة، يضفي على طبائعه سمات الكائنات المنعزلة.

في القسم الداخلي طال نقاشه مع المدير بهدف الحصول على غرفة منفردة، لكن دون جدوى، فهذا أمر غير ممكن في سكن الطلبة، أقل رفقة يمكنه الحصول عليها هي ثلاثة أفراد، سيعرف فيما بعد أنهم مزعجون جداً، وفق تقييمه على الأقل. بالرغم من أنهم كانوا أفضل النزلاء هناك، كما أكّد له المدير.

كان هذا هو سفره الأول خارج مدينته منذ أن ولد، وهي المرة الأولى التي يفارق فيها عائلته ويبيت خارج المنزل، فلم يعتد أبداً على مخالطة الغرباء. حتى عندما كان في المدرسة كان يجلس في الرحلة الأولى ولم يصاحب سوى ولدٍ واحدٍ لا يختلف عنه كثيراً، ولم تتعد صحبته تلك أنه جليسه في مقعد الدراسة؛ لهذا كانت ليلته الأولى عسيرةً جداً كما لو كانت ليلة وحشته الأولى في قبره.

لم ينم حتى الصباح، أخذ يراقب تلك الكائنات التي تتلوى على أسرّتها طوال الليل، يحصي أنفاسهم، ويقوم بين الفينة والفينة ليشاهد القمر وقد غزا ملامحه الوجوم، ويحدّثُ نفسه:

ـ كيف سأقضي السنوات القادمة مع هؤلاء الناس؟ ... هل اترك الدراسة وأعود؟! أهو خيار جيّد؟! ولكن أهلي سيخيب أملهم بي (أنت عندما تكبر ستصير طبيباً)... كيف سأتحمّل؟! أتمنى أن أموت، ربما هذا هو الحلّ الأنسب لي!...

في الصباح الذي أتى بطيئاً قام عن سرير أرَقِهِ، أزاح الستائر وفتح النوافذ فانهمر الضوءُ في الغرفة، لكن الهواء الرطب حمل إلى جوفه حيرةً مضاعفة، اعتقد أنها ستدفع بدمهِ شيئاً فشيئاً نحو التخثّر، فعليه أن يتوجه إلى الجامعة. وخز دبابيس اليقظة في عينيه طوال الليل لم تتمكن مياه الحمام الدافئة من غسل أثره كلّياً. لكنه كان مجبراً على ارتداء ملابسه والذهاب إلى الدراسة وقد خاط النعاسُ عينيه.
يراقب العالم الصاخب من حوله فيما يشبه الحلم المريب، وخياله يجول لكشف حقائق الأشياء التي تخطف طليقةً من حوله في فضاء مدينةٍ مرتبكة. تنتاب الصور المرئية انكسارات وهمية في عينيه، مثلما كانت الجذوع والأعواد وقضبان القصب المتباعدة وخيوط الصيد تنكسر في الماء منذ زمن.

في كل يوم بعد عودته إلى المأوى كان يراقب رفقاءه بحذر. مستغرقاً في انثيالات آلامه إثر هذا الفخّ الرهيب الذي وقع فيه، بينما تنمو الخواطر الواخزة في مخيلته من افتضاح سرّه الذي سيكون حتماً موضع استهداف المتطفلين والمتحذلقين، فأقلّ ما سيتهامسون عنه أنه (مُعقّد). أحياناً يتخيل أنهم سيقومون بأفعال شريرة تجاهه. عندما يتقصدون فتح موضوع معه أو يحاولون إشراكه في حديث ما، كان يستمع لأحاديثهم بتوجس، ويحدّثهم مثل شخصٍ يقوم بشيّ الكلمات، فتخرج من فمه محترقة!.
كان يلوذ بكتبه عدة ساعات، لا يقرأ فيها الكثير، وبعد أن يجزع يهرب إلى الفراش، يمارس نوماً مصطنعاً والأفكار تجوسُ في أعماقه، وأشباح المأساة التي يعيشها تحلق فوقه أو تتقافز قربه بحركاتٍ مكتومة، لكنها تهرب فجأة عندما يباغتها إذ لا يجد سوى ما تسلل إلى الغرفة من ضوء القمر الحزين. وإذا تمكن من النوم أخيراً فإن مخاوفه وهواجسه ستلاحقه إلى أحلامه.

لم يستطع أو لم يرغب في الاعتياد على حياته الجديدة، وعلى التعايش مع شركائه في السكن. يومان كل شهر يسافر فيهما إلى المنزل، ورغم انه لم يشارك أحداً بما في داخله خلالهما، إلا أنهما بمثابة إجازة للخروج من الجحيم، يعود بعدهما إلى مصارعة الأسى. حتى تعب كثيراً ، وبدأت آثار ذلك بالظهور على وجهه وجسده.
صحيح أن بناية القسم الداخلي كانت تبدو قديمة وموحشة، فالجدران بحاجة للطلاء، والأبواب لا تخلو من الثقوب الكبيرة أحياناً، والأسرّة لم تكن مريحة، ووسائل التبريد لا تتجاوز مروحة السقف... إلا أن هذه الأمور لم تكن تهمه أو تشغل باله. لم يرعبه ابداً درس التشريح كما هي العادة لأغلب الطلاب أول الأمر... لكنه يرتاع لمرأى القمر في المساءات المؤرقة.

(ساعة سوداء) كثيراً ما يستعير تعبير جدّته ليصف الساعة التي وصل فيها إلى القسم ، أو تلك التي غادر فيها مدينته وبيت العائلة. كلما اختلى بنفسه في تلك المراحيض المشتركة القذرة يبصق بحقد ويطلق اللعنات الساخنة وينصت لصرير أسنانه.

مقترح نهاية:
يمكن للقارئ أن يتشارك مع كاتب القصة لاختيار واحدة من النهايات المحتملة، ويقرر مصير البطل... : أن يحدث انقلابٌ في سلوكه ويتطبع تدريجياً مع الوضع. أن يترك الدراسة ويعود. أن ينتحر. أو يصاب بالجنون. أو ربما يستمر على هذا الحال حتى التخرج والعودة إلى مدينته... بالنسبة لي كقارئ ستكون كل هذه النهايات اعتيادية وليست مثيرة، لذا فاني ككاتب للقصة قد اختار تركها مفتوحة. وهذه آلية اعتمدها قصاصون كثر ربما لعجزهم عن ابتكار نهاية مفارقة أو صادمة. على أية حال سأقترح النهاية على هذا النحو:

في أحد الأيام لم يعد للقسم بعد نهاية الدوام. في المساء، وحيث كان القمر مكتملاً، أبلغ رفاقه المدير عن غيابه، وكالعادة كال له الشتائم، حيث اعتبرها بادرة انحراف. بعد يومين أبلغوا أهله. حضر والده على الفور، وبعد بحثٍ عدة أيام عاد إلى مدينته دون أن يعثر لولدهِ على أثر. عاد حاملاً حيرته وأغراض ولده وبينها دفتر يومياته الذي لم يكتب فيه غير صفحة واحدة فقط.
---------------
نشرت في موقع ثقافات 2013/06/09  

الاثنين، 6 مايو، 2013

عن الرواية العراقية بعد التغيير

علي كاظم داود

على إثر الأحداث الكثيرة المهولة التي عصفت بالعراق، ومن أبرزها إسقاط واحدة من أرسخ الدكتاتوريات في المنطقة، وما تلاها من احتلال وعنف، سطع اسم العراق واتجهت إليه الأنظار على المستوى العالمي، وتصدّرت أحداثه نشرات الأخبار على مدى سنوات، وبات من الواضح اجتهاد وكالات الأنباء، بشكل متواصل، في بث تقارير متنوعة عنه، وتسابقها لاقتطاف كل معلومة مهمة تخصّه، بل عملت بعضها على نشر عدد هائل من الصور الفوتوغرافية، يومياً، من مختلف المناطق والمدن، حتى أن ما كانت تنشره (أي أف بي) وحدها عن العراق في بعض الأوقات قد يفوق الصور الدولية الأخرى لديها مجتمعة، كل ذلك الاهتمام الإعلامي، غير المسبوق، أدى إلى إثارة غريزة فضول المجتمع الدولي، للاطلاع على ثقافة بلد مثل العراق  وبنيته المجتمعية العميقة؛ لفهم حقيقة ما يجري فيه، وهو ما تعدّ الرواية من أهم الوسائل التوثيقية التي تعتني بتمثيله ونقله، مع توفّرها على التشويق والإمتاع وغيرهما.
أدرك العديد من الروائيين العراقيين هذه السمة الترويجية التي اكتسبها اسم بلدهم، أو بعض اللوازم اللفظية التي ترتبط به، فاتخذوا منها تأشيرة مرور للقارئ المتشوق لأية معرفة صادرة عن هذا البلد، فضمّنوا عناوين رواياتهم مفردات من قبيل: بغداد، صدام، الأميركان، أو ما يوازيها وقعاً وتأثيراً. فكانت عتبة ائتلاف مع المتلقي، وإغراءً باكتشاف المطبوع، ومحرضاً لاقتنائه، من قبل القارئ العربي والأجنبي، فضلاً عن وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. وقد ظهر ذلك جلياً في بعض الروايات المترجمة إلى لغات أخرى حيث طبعت منها طبعات عديدة بسبب ارتباط عنوانها بهذا الموجّه الإعلامي.
هذا في ما يخص الجانب الترويجي، وهو جانب مهم ومشروع في التعريف بالمنجز الإبداعي، بشرط أن لا يكون هدفاً بحدّ ذاته. أما بخصوص الحضور للنتاج الروائي العراقي فإنه ما زال في تصاعد وازدياد، حتى أن جائزة مهمة مختصة بالرواية، هي جائزة البوكر العربية، لم تكد تخلو قوائمها الطويلة أو القصيرة، في السنوات الأخيرة، من عنوان لمؤلف عراقي. 
يقال إن انتعاش الرواية في أمة ما لا يكون إلا في زمان المحن والأزمات الكبرى، شرط أن يتاح للكاتب هامش مناسب من الحرية للكتابة، وهو ما نعتقد توفره في عراق ما بعد 2003؛ بحيث كان سبباً رئيساً في إنتاج هذا العدد الجيد من الروايات التي تمكن من القول إن الرواية العراقية بدأت تأخذ موقعاً مرموقاً في المنجز العربي، بما بلغته من نضج فني. فقد تحررت نماذج روائية كثيرة من قيود اللغة الكلاسيكية والمشكلات التقنية والدوغما بكل أشكالها، لتتجه إلى مناطق غير مسبوقة في إبداعنا الروائي، مع وجود اسماء شابّة كثيرة تدعو للتفاؤل، بذكائها وانفتاحها ومتابعتها وتجنّبها للكسل الكتابي.
الرواية العراقية منذ ظهورها سعت إلى تمثيل الواقع من خلال نماذج وأنماط مختلفة، لكن ما يلاحظ على أغلب الروايات الصادرة بعد العام 2003، أنها ركزت كثيراً على البناء الفني رغم أنها لم تغفل عن المضامين والثيمات الجيدة أيضاً. فقد كثّفت من توظيف المعماريات السردية الجديدة وتقنيات ما وراء القص، لتمثيل الواقع، أو للتخييل بواقعية عوالم بديلة، تستهدف الواقع المعيش دلالياً. بل يمكن القول إن الواقع العراقي بمغيّباته ومسكوتاته الكثيرة قبل التغيير، وملابساته وإشكالاته بعده، أصبح هماً روائياً ملحّاً، سعت الروايات لسبره واستقصاء تفاصيله من وجهات نظر عديدة. اقترب بعضها من روح التوثيق، بينما اشتغل البعض الآخر على الترميز. وتندر تلك الروايات التي تفلت من سطوة الواقع لتبحر في تهويمات سردية أو مكابدات فردية أو رومانسيات حالمة؛ لان هذا النوع من الخطاب الروائي بات بمثابة اجترار لنمط عفا عليه الزمن، وقد أدرك كثيرون أنه صار بلا جدوى.

---------------
نشرت في جريدة الصباح العراقية 4/ 5/ 2013
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=45807

الأربعاء، 13 فبراير، 2013

القراءة وآفاق المستقبل



في موضوع علاقة الناشئة والشباب بالكتاب والقراءة، وهل ستؤثر الوسائل الحديثة في توسيعها ودفعها إيجابياً... لا يمكن استشراف المستقبل على وجه القطع واليقين، خصوصاً في ظل غياب مناهجيات رسميّة فاعلة للنهوض بفعل القراءة على مستوى العراق، وغالبية الدول العربية أيضاً. ولهذا نرى أن الاحتمالين ماثلان؛ حيث يمكن القول أن الوسائل الحديثة المرئية والمسموعة والمقروءة، وانتشار المعلومات والمكتبات الإلكترونية ومواقع التواصل على الانترنت، ستنمي وتحفّز غريزة القراءة لدى الأجيال القادمة، وترسخ في أذهانهم أهمية تطوير الوعي، وضرورة إثراء الثقافة الذاتية من خلالها. كما يمكن النظر لكل هذه الوسائل - بالمقابل - على أنها من مثبطات النزوع نحو الكتاب، ومن دواعي إهمال المطالعة، ومن أسباب خواء بعض الأفراد معرفياً، لما تقدمه من مغريات التسلية والترفيه، والتي إن اتجه نحوها الفرد، أو أدمن عليها، فلن ينتج عنها إلا ضياع الوقت وهبوط المستوى المعرفي والثقافي.
ما نأمله في هذا الموضوع المهم والحساس أن تعمل المؤسسات الرسمية المعنية، فضلا عن غير الرسمية، على تطبيق برامج فاعلة لإشاعة ظاهرة القراءة، وتعزيز مكانة الكتاب، وتوطيد أواصر المجتمع به، ويبدأ ذلك من الأطفال والناشئة صعوداً إلى الشباب وحتى كبار السن، وهو ما سينتج، خلال عقد من الزمان على الأقل، مجتمعاً مثقفاً يعي أهمية الكتاب ويحترمه.
وقد لاحظ نقاد عديدون، كما ينقل الغذامي في كتابه النقد الثقافي: "أن أساليب القراءة السائدة تخضع خضوعاً ملحوظاً لأعراف وممارسات المؤسسة الأكاديمية التي تتولى قولبتها وضبطها". والمؤسسة الأكاديمية بوصفها عيّنة مهمة من بين المؤسسات الفاعلة ثقافياً، أو هكذا هو المفترض، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى، نرى أن بعاتقها مهام جسيمة في هذا السياق، بل فضلاً عن دورها في قولبة وضبط أساليب القراءة، عليها العمل على تحفيز هذا الفعل وتعميمه، عبر إيجاد طرائق حديثة مغايرة خارجة عن حدود وأنماط وطرائق التدريس المتداولة.
قبل فترة تابعنا مشروعاً في هذا المجال، وقد لاقى صدىً واسعاً، هو "مشروع أنا عراقي أنا أقرأ" والذي مثل، بحسب ما نرى، خطوة جيدة في طريق إعادة الهيبة للكتاب، لكن ما يمكن ملاحظته حيال هذا المشروع أنه كان شكلياً دعائياً نوعاً ما، صنعته حيوية الشباب وحماستهم، إذ إنه لم يترك أثراً على صعيد البرامج والخطط طويلة الأمد، ولم يلقَ تفاعلاً من قبل المؤسسات الرسمية المعنية، والتي نعتقد أن من الواجب عليها استثمار هكذا مبادرات طوعية، تستهدف أوساط المجتمع بمختلف شرائحه. فقد كان الجدير بالمؤسسة الثقافية الرسمية العمل على دعم وتوسيع المشروع، منهجياً ومادياً ومعنوياً، بهدف تعميمه وتعميق أثره، لكي يصل إلى مختلف المناطق السكنية  في عموم محافظات العراق، وأن تجتهد لاستمراره، وأن يكون دورياً، ينعقد مرةً كل شهر على الأقل، وان تسعى لتوفير الكتب والمكتبات الجوالة والكوادر والدعايات، وتتعاون مع المؤسسات المحلية والبلدية، وتستغل العطل الدراسية والحدائق العامة لترويج هذا الفعل الضروري في الحياة الثقافية للشعوب، فكم هو مفرح لو رأينا الحدائق العامة مكتظة بأناسٍ لا يجمعهم سوى حب الكتاب والرغبة في الاستزادة منه معرفياً.