الاثنين، 6 مايو، 2013

عن الرواية العراقية بعد التغيير

علي كاظم داود

على إثر الأحداث الكثيرة المهولة التي عصفت بالعراق، ومن أبرزها إسقاط واحدة من أرسخ الدكتاتوريات في المنطقة، وما تلاها من احتلال وعنف، سطع اسم العراق واتجهت إليه الأنظار على المستوى العالمي، وتصدّرت أحداثه نشرات الأخبار على مدى سنوات، وبات من الواضح اجتهاد وكالات الأنباء، بشكل متواصل، في بث تقارير متنوعة عنه، وتسابقها لاقتطاف كل معلومة مهمة تخصّه، بل عملت بعضها على نشر عدد هائل من الصور الفوتوغرافية، يومياً، من مختلف المناطق والمدن، حتى أن ما كانت تنشره (أي أف بي) وحدها عن العراق في بعض الأوقات قد يفوق الصور الدولية الأخرى لديها مجتمعة، كل ذلك الاهتمام الإعلامي، غير المسبوق، أدى إلى إثارة غريزة فضول المجتمع الدولي، للاطلاع على ثقافة بلد مثل العراق  وبنيته المجتمعية العميقة؛ لفهم حقيقة ما يجري فيه، وهو ما تعدّ الرواية من أهم الوسائل التوثيقية التي تعتني بتمثيله ونقله، مع توفّرها على التشويق والإمتاع وغيرهما.
أدرك العديد من الروائيين العراقيين هذه السمة الترويجية التي اكتسبها اسم بلدهم، أو بعض اللوازم اللفظية التي ترتبط به، فاتخذوا منها تأشيرة مرور للقارئ المتشوق لأية معرفة صادرة عن هذا البلد، فضمّنوا عناوين رواياتهم مفردات من قبيل: بغداد، صدام، الأميركان، أو ما يوازيها وقعاً وتأثيراً. فكانت عتبة ائتلاف مع المتلقي، وإغراءً باكتشاف المطبوع، ومحرضاً لاقتنائه، من قبل القارئ العربي والأجنبي، فضلاً عن وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. وقد ظهر ذلك جلياً في بعض الروايات المترجمة إلى لغات أخرى حيث طبعت منها طبعات عديدة بسبب ارتباط عنوانها بهذا الموجّه الإعلامي.
هذا في ما يخص الجانب الترويجي، وهو جانب مهم ومشروع في التعريف بالمنجز الإبداعي، بشرط أن لا يكون هدفاً بحدّ ذاته. أما بخصوص الحضور للنتاج الروائي العراقي فإنه ما زال في تصاعد وازدياد، حتى أن جائزة مهمة مختصة بالرواية، هي جائزة البوكر العربية، لم تكد تخلو قوائمها الطويلة أو القصيرة، في السنوات الأخيرة، من عنوان لمؤلف عراقي. 
يقال إن انتعاش الرواية في أمة ما لا يكون إلا في زمان المحن والأزمات الكبرى، شرط أن يتاح للكاتب هامش مناسب من الحرية للكتابة، وهو ما نعتقد توفره في عراق ما بعد 2003؛ بحيث كان سبباً رئيساً في إنتاج هذا العدد الجيد من الروايات التي تمكن من القول إن الرواية العراقية بدأت تأخذ موقعاً مرموقاً في المنجز العربي، بما بلغته من نضج فني. فقد تحررت نماذج روائية كثيرة من قيود اللغة الكلاسيكية والمشكلات التقنية والدوغما بكل أشكالها، لتتجه إلى مناطق غير مسبوقة في إبداعنا الروائي، مع وجود اسماء شابّة كثيرة تدعو للتفاؤل، بذكائها وانفتاحها ومتابعتها وتجنّبها للكسل الكتابي.
الرواية العراقية منذ ظهورها سعت إلى تمثيل الواقع من خلال نماذج وأنماط مختلفة، لكن ما يلاحظ على أغلب الروايات الصادرة بعد العام 2003، أنها ركزت كثيراً على البناء الفني رغم أنها لم تغفل عن المضامين والثيمات الجيدة أيضاً. فقد كثّفت من توظيف المعماريات السردية الجديدة وتقنيات ما وراء القص، لتمثيل الواقع، أو للتخييل بواقعية عوالم بديلة، تستهدف الواقع المعيش دلالياً. بل يمكن القول إن الواقع العراقي بمغيّباته ومسكوتاته الكثيرة قبل التغيير، وملابساته وإشكالاته بعده، أصبح هماً روائياً ملحّاً، سعت الروايات لسبره واستقصاء تفاصيله من وجهات نظر عديدة. اقترب بعضها من روح التوثيق، بينما اشتغل البعض الآخر على الترميز. وتندر تلك الروايات التي تفلت من سطوة الواقع لتبحر في تهويمات سردية أو مكابدات فردية أو رومانسيات حالمة؛ لان هذا النوع من الخطاب الروائي بات بمثابة اجترار لنمط عفا عليه الزمن، وقد أدرك كثيرون أنه صار بلا جدوى.

---------------
نشرت في جريدة الصباح العراقية 4/ 5/ 2013
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=45807