الأربعاء، 19 يونيو، 2013

التمثيل الرمزي في رواية «سواقي القلوب» لإنعام كجه جي


تنجح بعض الروايات في تقديم عوالم متداخلة، وتاريخ شخصي لأسماء عديدة، وفضاءات مختلفة، في إطار سردي واحد، ومتن روائي متجانس؛ لما تمتاز به من قدرة محاكاة عالية للقبض على الواقع، وإمكانية كبيرة لاستيلاد عوالم جديدة من رحم الخيال المتماهي مع ذلك الواقع، بوصفه صورة متخيّلة له. ومن بين الروايات التي نرى أنها حققت ذلك، أو نسبة جيّدة منه، رواية «سواقي القلوب» للكاتبة العراقية المقيمة في فرنسا «إنعام كجه جي» ، والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2005.
ينبني السرد في هذه الرواية على نسق زمني متقطّع، وفصول قصيرة يقدم كل منها مشهداً منفصلاً، لتكوّن الفصول، الثمانية والثلاثين، بمجملها، المتن الروائي الذي نتعرف فيه على حكايات الشخصيات، والمفاصل المهمة في حيواتها. كما ويهيمن الصوت المنفرد على الرواية، حيث يأتي سردها على لسان بطلها، المشارك في أحداثها، دون أن يكشف عن اسمه، لكي يكون بذلك رمزاً لمغتربين كثر. موجهاً خطابه إلى متلقٍّ ضمني، هو أحد شخصيات الرواية الرئيسية، ويسميه باسمه «زمزم» ، فينتظم قسم من متنها تحت ضمير المخاطب.
أمضى البطل زهرة حياته مغترباً في باريس، التي يرى فيها الموطن الأرحم والمأوى الأكثر أماناً بل «قلب العروبة النابض» ؛ فقد كانت ملتقىً للعرب المهاجرين من مختلف الجنسيات. حلم بالعودة، لكنه حين عاد لم يكن بمفرده، فقد رافقه العجوز «كاشانيّة خاتون» العراقية من أصل أرمني، والناجية من مذبحة الأرمن. ومعهما تابوت يحوي جثمان فتاة اسمها «سارة».
يمارس، هناك، بعض الأنشطة الأدبية، فيترجم مسرحية لمارغريت دوراس، أو يبدأ بكتابة رواية. كما يقوم بترجمة المقالات ويرسلها إلى بعض الصحف العربية؛ ليكسب منها عيشه ويحفظ ماء وجهه. فيمر من خلال بعض هذه المقالات على أحداث كبرى، كسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان في نظره «صنماً جميلاً ومثالاً يحتذى في الوطن الحر والشعب السعيد» فكان انهياره صدمة كبيرة أصابته «بالخرس المعنوي». كما ويسترجع، أحياناً، ذكريات الطفولة ومشاكسات أيام الدراسة في الكرادة، في نفس المحلة التي كانت تسكنها «سراب» في طفولتها.
لاذ بباريس بسبب نشاطه السياسي، بعد أن ضاقت به أرض العراق، أو ضاق بها. التقى زمزم في حديقة اللوكسمبورغ التي كان يقضي فيها أشهر تشرده الأولى في تلك المدينة. يحكي لصديقه، ولنا أيضاً، من وجهة نظر متأخرة، ومن خلال الاسترجاع، عن ذلك الاتصال المفاجئ، القادم من العراق، والذي حمل صوت المرأة التي طلبها يوماً للزواج فرفضه أهلها «نجوى» ، لكي توصيه برعاية ولدها «ساري» الوحيد بين ثلاثة إناث، عند قدومه بمفرده إلى باريس لإجراء عملية جراحية.
يترقب مجيء «ساري» بعد ذلك الاتصال، ويتضح ان هذا الشاب يعاني من مشكلة نفسية، فلم يكن مقتنعاً بكونه ذكر؛ لذلك يجازف بالاتصال بصدام، فيطلب هذا حضوره، ويلتقيه ويسمع منه، فيقتنع بحالته، ويخصص له مبلغاً كبيراً للعلاج في فرنسا. فيسافر إليها وحيداً، ليستقبله الراوي، فيعرض لقضية تغيير الجنس بتدخل جراحي ونظرة المجتمع لهذه الحالة النادرة. يتحول ساري إلى سارة، ويختار البقاء في باريس التي تمنحه الحرية، بخلاف ما إذا عاد إلى العراق، حيث سيكون مهدداً بالوقوع في دوامة مشاكل لا طاقة له على مواجهتها.
زمزم قادم من الجنوب، من السماوة تحديداً، إلى باريس، سعياً وراء شهادة مرموقة لم ينلها احد من أبناء عشيرته، يدرس للحصول على الدكتوراه، في التاريخ الحديث. يستفزه تاريخ الخاتون فيبدأ بتسجيل ما ترويه له، بواسطة الكاميرا، عن مذبحة الأرمن التي راح فيها أبوها وبقية أهلها، فانتقلت أمها التي كانت حاملاً بها إلى الموصل، لتموت أمها فيها وتتعهد تربيتها امرأة مسلمة، تخبرها بعدما تكبر أنها مسيحية أرمنية وتعلمها على ارتياد الكنيسة، بينما كانت هي تفرش لامها بالتبني سجادة الصلاة، في تمثيل لظاهرة التسامح بين الأديان. وتستعيد الخاتون، في بوحها لزمزم، أحداثاً وأسماءَ عجيبة لأناس رحلوا «وصارت عظامهم مكاحل».
في أجواء الغربة، التي تعتصر القلب، لا عزاء للمغتربين سوى الإنصات للناطقين بلغة الوطن. يتعرف السارد على امرأة عراقية اسمها «سراب»، من خلال «جبرا إبراهيم جبرا» و «الباهي محمد». وهما من الشخصيات الحقيقية في متن الرواية المتخيل، ووجودهما، كمشاركين في بعض أحداثها، يوهم بأنها وقعت فعلاً. وقد حذّره الباهي من التقرب إليها ؛ لأنها «عند ذاك تختفي مثل السراب». لكنه لم يعمل بالنصيحة، فتوطدت علاقته معها، إلى أن يظهر مرض كامن في رئتيها ويقضي عليها، لتكشف له قبل موتها أن اسمها «روزا سمعان». وأنها سافرت في شبابها إلى بيروت، وعادت غاوية لليسار، لاعبة بالنار، التي ستكوي أصابعها بلا رحمة، وتتعرض للتعذيب والسجن، فتهرب إلى الخارج وتستقر في باريس.
يشير الراوي إلى أنه تعرّف قبل سراب على «سوزان» ويرمز بها لأولئك النسوة الطيبات اللواتي يأخذن بأيدي المغتربين، ثم يتركونهن أو يتركنهم ما إن تشتد أعوادهم. فيذكّر بسوزانات طه حسين وفائق حسن وإسماعيل الشيخلي وغيرهم.
يحذره صديق قديم يعمل في القنصلية العراقية بباريس أن «الجماعة» سيقتصّون من زمزم، لأنه بدأ بالتطاول عليهم بعد فصله من الحزب. ويبدؤون بمراقبته ومحاولة استدراج سارة لجلب أدلة ضده، لكنها ترفض التعاون معهم، فيؤدي ذلك إلى قتلها خنقاً، وإلقائها في إحدى حدائق المدينة المشبوهة.
تعالج الرواية، سردياً، موضوعات عديدة، كالغربة والتحولات التاريخية والسياسية. وتوجه إدانات شديدة للحروب التي أكلت الأخضر واليابس، وللتقارير الأمنية والحزبية التي ملأت المقابر والسجون، وكذلك للثورات الدموية، التي تُعرف في رائحة الدخان المنبعث من حدائق البيوت الخلفية؛ إذ «مع كل انقلاب يحرق الناس صور العهد السابق».
توظف الرواية أسماء وشخصيات ووقائع حقيقية، في إطار متخيل. وإضافة إلى ما تمتلكه هذه الحقيقيات من رمزية، فإنها تساهم في زيادة منسوب الإيهام بواقعية الحكاية. بينما تنطوي أسماء الشخصيات المتخيلة على طاقة إيحائية كبيرة، بما يمكن تسميته بالتمثيل الرمزي، الناتج عن مقاربة سيرة الشخصية، داخل الرواية، وما يستدعيه الاسم الذي تحمله من دلالات. فكانت سراب رمزاً للغياب، وزمزم الصديق النقي كالنبع في زمن الغربة، وسوزان التي تذكّر بعدد كبير من السوزانات، وساري ذلك الفتى العليل في المسلسل التلفزيوني المعروف، وكاشانية تلك المرأة الأصيلة التي تتجدد كلما مرّ عليها الزمان. وقد جمعت المشاعر الإنسانية السليمة بين هؤلاء، فكانوا يلتقون في منزل كاشانية خاتون مثل عائلة واحدة متوادّة، رغم اختلافاتهم العرقية، وأصولهم المناطقية المتباينة، ومعتقداتهم الدينية والسياسية المتعددة.
تحتشد الرواية بتقنيات سرد غزيرة منها: الحلم الذي تتجسد فيه الغربة ونوازع ورغبات الشخصية ومخاوفها. والرسالة والوثيقة اللتان يتضح من خلالهما أحوال بعض الشخصيات ودوافعها. والمسرحية التي تجسد مشكلات المغتربين وعلاقاتهم الاجتماعية بالمواطنين، ونظرة بعض هؤلاء نحوهم. والفيلم الذي يصوّر عجائز يرفضن إخلاء بيوتهن الواقعة في جزيرة مهددة بالغرق، بينما لا تصدق العجائز أن وراء البحر أرضاً تصلح لبناء بيت. فضلاً عن التسجيلية التي توثق الذكريات والأحداث ذات المغزى في النسيج النصّي. والوصف التصويري لبعض المشاهد والأماكن أو الحالات الداخلية، إضافة للحوارات المباشرة أو الهاتفية. وكذلك توظيف تقنية المونتاج والتقطيع المشهدي الذي توزعته فصول الرواية... كل ذلك تجمع الرواية بين شتاته بلغة رصينة مقتصدة، لكنها هجينة، تغترف كثيراً من اليومي والدارج العراقي؛ لتذهب بعيداً في التعبير عن حقائق الشخصيات وسلوكياتها التي تتناسب مع مقتضيات العصر، ولتقترب بذلك من غايتها في دفع القارئ إلى محاولة تجسيد الأحداث في ذهنه، وكأنه يراها.

الاثنين، 10 يونيو، 2013

قمرٌ حزين ـ قصة قصيرة

"لا وجود في الحياة لنهايات، وإنما توجد عتبات".
إيزابيل الليندي.

قرأ والده في دفتر يومياته بصوتٍ متهدج، رافقته دموع أمّه وأخواته:
(كانت جذوع النخل ترقص على موجات الماء المتهادية، شبر من الماء يغطيها، تسرّب عبر قنوات سرية من النهر الممتلئ، فغطّى البستان بكامله، وتسللت معه اسماك صغيرة تغري الأطفال باصطيادها.
أخذتُ أنصبُ الشِباك الصغيرة للأسماك، أو أقضي الساعات الطويلة ممسكاً بخيط الصنارة التي تحمل الطعم، وأحيانا أقفز محاولا إمساكها بيديّ، فتغوص قدماي بطين النشوة. أركض ضارباً المياه الضحلة، مفرغاً كل شحنات الشغف بالحياة، حياتي الصغيرة، في ضحكٍ مفعم وعميق.
ذلك الوقت، حيث كنت أراقب القمر وقد رسمت تضاريسه وجهاً ضاحكاً، كان بالنسبة لي حياة فريدة لا مثيل لها، لطالما تمنيت عودته في أيام عمري الآتية.
انتهت تلك الأيام منذ ان نشفت الأرض وتحولت إلى سباخ. قلّ ولعي باللعب وانكببت على الدراسة، فصارت شاغلي الوحيد، حتى تفوقت على جميع أقراني في كل مراحلها، وها قد وصل اليوم الذي لا بدّ ان أسافر فيه للدراسة في الجامعة).

نظر إليهم قبل أن يستقل الحافلة، كانوا يقفون كالعسكر، مثل دمىً صغيرةٍ ضاحكةٍ بلهاء. أخذ يتأمل وجوههم، كما لو أنه فَقَدَ شيئاً كان يوشك أن يتذكره، ينتظرون سماعه، شيءٌ ما نأى في طرف من أطراف ذاكرته منذ أزمان، لكنّه فكّ بعض رموزه، ثم غام فجأة وتلاشى إلى الأبد.
نظر إليهم وهم ينظرون إليه بأعين جامدة، كما لو كانت مشدودة إليه، مشدودة إلى تابوته، الذي لم يستلقِ فيه لحدّ الآن، تابوته الذي صُنع في داخل كل واحدٍ منهم.

ودّعهم وركب، فانغلق الباب وانطلقت الحافلة. عندما وصل إلى العاصمة، وفي طريقه إلى العنوان الذي تدلّه عليه ورقة كتبت بخط والده، توقف عند هاتف عمومي، واتصل بهم، ليخبرهم بوصوله. تلقوا كلماته بتوجس ولهفة. تبادلوا عدة كلمات وأسئلة مقتضبة، ثم لاذوا بصمتهم وانتظارهم الخفي.
رافقه المطر الخفيف إلى وجهته، عبر طرق مزدحمة يخنقها دخان السيارات، وبعد أسئلة متعددة عن وسائل النقل التي عليه ان يستقلها والأزقة التي لا بد ان يسلكها وصل إلى القسم الداخلي، فبادر إلى الاتصال من هناك وطمأنهم بأنه وجد بغيته أخيراً. عندها بردت تلك الحرارة التي كانت تسكن قلوبهم.

لم يكن لديه صديق، ولا أخ ذكر. كان يقرأ لوحده ويفضل الانزواء والصمت، كأنّ له زمن يختلف كلياً عن زمن المحيطين به، زمن بارد، بعيد، يمتد في نفسه الصغيرة، يضفي على طبائعه سمات الكائنات المنعزلة.

في القسم الداخلي طال نقاشه مع المدير بهدف الحصول على غرفة منفردة، لكن دون جدوى، فهذا أمر غير ممكن في سكن الطلبة، أقل رفقة يمكنه الحصول عليها هي ثلاثة أفراد، سيعرف فيما بعد أنهم مزعجون جداً، وفق تقييمه على الأقل. بالرغم من أنهم كانوا أفضل النزلاء هناك، كما أكّد له المدير.

كان هذا هو سفره الأول خارج مدينته منذ أن ولد، وهي المرة الأولى التي يفارق فيها عائلته ويبيت خارج المنزل، فلم يعتد أبداً على مخالطة الغرباء. حتى عندما كان في المدرسة كان يجلس في الرحلة الأولى ولم يصاحب سوى ولدٍ واحدٍ لا يختلف عنه كثيراً، ولم تتعد صحبته تلك أنه جليسه في مقعد الدراسة؛ لهذا كانت ليلته الأولى عسيرةً جداً كما لو كانت ليلة وحشته الأولى في قبره.

لم ينم حتى الصباح، أخذ يراقب تلك الكائنات التي تتلوى على أسرّتها طوال الليل، يحصي أنفاسهم، ويقوم بين الفينة والفينة ليشاهد القمر وقد غزا ملامحه الوجوم، ويحدّثُ نفسه:

ـ كيف سأقضي السنوات القادمة مع هؤلاء الناس؟ ... هل اترك الدراسة وأعود؟! أهو خيار جيّد؟! ولكن أهلي سيخيب أملهم بي (أنت عندما تكبر ستصير طبيباً)... كيف سأتحمّل؟! أتمنى أن أموت، ربما هذا هو الحلّ الأنسب لي!...

في الصباح الذي أتى بطيئاً قام عن سرير أرَقِهِ، أزاح الستائر وفتح النوافذ فانهمر الضوءُ في الغرفة، لكن الهواء الرطب حمل إلى جوفه حيرةً مضاعفة، اعتقد أنها ستدفع بدمهِ شيئاً فشيئاً نحو التخثّر، فعليه أن يتوجه إلى الجامعة. وخز دبابيس اليقظة في عينيه طوال الليل لم تتمكن مياه الحمام الدافئة من غسل أثره كلّياً. لكنه كان مجبراً على ارتداء ملابسه والذهاب إلى الدراسة وقد خاط النعاسُ عينيه.
يراقب العالم الصاخب من حوله فيما يشبه الحلم المريب، وخياله يجول لكشف حقائق الأشياء التي تخطف طليقةً من حوله في فضاء مدينةٍ مرتبكة. تنتاب الصور المرئية انكسارات وهمية في عينيه، مثلما كانت الجذوع والأعواد وقضبان القصب المتباعدة وخيوط الصيد تنكسر في الماء منذ زمن.

في كل يوم بعد عودته إلى المأوى كان يراقب رفقاءه بحذر. مستغرقاً في انثيالات آلامه إثر هذا الفخّ الرهيب الذي وقع فيه، بينما تنمو الخواطر الواخزة في مخيلته من افتضاح سرّه الذي سيكون حتماً موضع استهداف المتطفلين والمتحذلقين، فأقلّ ما سيتهامسون عنه أنه (مُعقّد). أحياناً يتخيل أنهم سيقومون بأفعال شريرة تجاهه. عندما يتقصدون فتح موضوع معه أو يحاولون إشراكه في حديث ما، كان يستمع لأحاديثهم بتوجس، ويحدّثهم مثل شخصٍ يقوم بشيّ الكلمات، فتخرج من فمه محترقة!.
كان يلوذ بكتبه عدة ساعات، لا يقرأ فيها الكثير، وبعد أن يجزع يهرب إلى الفراش، يمارس نوماً مصطنعاً والأفكار تجوسُ في أعماقه، وأشباح المأساة التي يعيشها تحلق فوقه أو تتقافز قربه بحركاتٍ مكتومة، لكنها تهرب فجأة عندما يباغتها إذ لا يجد سوى ما تسلل إلى الغرفة من ضوء القمر الحزين. وإذا تمكن من النوم أخيراً فإن مخاوفه وهواجسه ستلاحقه إلى أحلامه.

لم يستطع أو لم يرغب في الاعتياد على حياته الجديدة، وعلى التعايش مع شركائه في السكن. يومان كل شهر يسافر فيهما إلى المنزل، ورغم انه لم يشارك أحداً بما في داخله خلالهما، إلا أنهما بمثابة إجازة للخروج من الجحيم، يعود بعدهما إلى مصارعة الأسى. حتى تعب كثيراً ، وبدأت آثار ذلك بالظهور على وجهه وجسده.
صحيح أن بناية القسم الداخلي كانت تبدو قديمة وموحشة، فالجدران بحاجة للطلاء، والأبواب لا تخلو من الثقوب الكبيرة أحياناً، والأسرّة لم تكن مريحة، ووسائل التبريد لا تتجاوز مروحة السقف... إلا أن هذه الأمور لم تكن تهمه أو تشغل باله. لم يرعبه ابداً درس التشريح كما هي العادة لأغلب الطلاب أول الأمر... لكنه يرتاع لمرأى القمر في المساءات المؤرقة.

(ساعة سوداء) كثيراً ما يستعير تعبير جدّته ليصف الساعة التي وصل فيها إلى القسم ، أو تلك التي غادر فيها مدينته وبيت العائلة. كلما اختلى بنفسه في تلك المراحيض المشتركة القذرة يبصق بحقد ويطلق اللعنات الساخنة وينصت لصرير أسنانه.

مقترح نهاية:
يمكن للقارئ أن يتشارك مع كاتب القصة لاختيار واحدة من النهايات المحتملة، ويقرر مصير البطل... : أن يحدث انقلابٌ في سلوكه ويتطبع تدريجياً مع الوضع. أن يترك الدراسة ويعود. أن ينتحر. أو يصاب بالجنون. أو ربما يستمر على هذا الحال حتى التخرج والعودة إلى مدينته... بالنسبة لي كقارئ ستكون كل هذه النهايات اعتيادية وليست مثيرة، لذا فاني ككاتب للقصة قد اختار تركها مفتوحة. وهذه آلية اعتمدها قصاصون كثر ربما لعجزهم عن ابتكار نهاية مفارقة أو صادمة. على أية حال سأقترح النهاية على هذا النحو:

في أحد الأيام لم يعد للقسم بعد نهاية الدوام. في المساء، وحيث كان القمر مكتملاً، أبلغ رفاقه المدير عن غيابه، وكالعادة كال له الشتائم، حيث اعتبرها بادرة انحراف. بعد يومين أبلغوا أهله. حضر والده على الفور، وبعد بحثٍ عدة أيام عاد إلى مدينته دون أن يعثر لولدهِ على أثر. عاد حاملاً حيرته وأغراض ولده وبينها دفتر يومياته الذي لم يكتب فيه غير صفحة واحدة فقط.
---------------
نشرت في موقع ثقافات 2013/06/09