الاثنين، 10 يونيو، 2013

قمرٌ حزين ـ قصة قصيرة

"لا وجود في الحياة لنهايات، وإنما توجد عتبات".
إيزابيل الليندي.

قرأ والده في دفتر يومياته بصوتٍ متهدج، رافقته دموع أمّه وأخواته:
(كانت جذوع النخل ترقص على موجات الماء المتهادية، شبر من الماء يغطيها، تسرّب عبر قنوات سرية من النهر الممتلئ، فغطّى البستان بكامله، وتسللت معه اسماك صغيرة تغري الأطفال باصطيادها.
أخذتُ أنصبُ الشِباك الصغيرة للأسماك، أو أقضي الساعات الطويلة ممسكاً بخيط الصنارة التي تحمل الطعم، وأحيانا أقفز محاولا إمساكها بيديّ، فتغوص قدماي بطين النشوة. أركض ضارباً المياه الضحلة، مفرغاً كل شحنات الشغف بالحياة، حياتي الصغيرة، في ضحكٍ مفعم وعميق.
ذلك الوقت، حيث كنت أراقب القمر وقد رسمت تضاريسه وجهاً ضاحكاً، كان بالنسبة لي حياة فريدة لا مثيل لها، لطالما تمنيت عودته في أيام عمري الآتية.
انتهت تلك الأيام منذ ان نشفت الأرض وتحولت إلى سباخ. قلّ ولعي باللعب وانكببت على الدراسة، فصارت شاغلي الوحيد، حتى تفوقت على جميع أقراني في كل مراحلها، وها قد وصل اليوم الذي لا بدّ ان أسافر فيه للدراسة في الجامعة).

نظر إليهم قبل أن يستقل الحافلة، كانوا يقفون كالعسكر، مثل دمىً صغيرةٍ ضاحكةٍ بلهاء. أخذ يتأمل وجوههم، كما لو أنه فَقَدَ شيئاً كان يوشك أن يتذكره، ينتظرون سماعه، شيءٌ ما نأى في طرف من أطراف ذاكرته منذ أزمان، لكنّه فكّ بعض رموزه، ثم غام فجأة وتلاشى إلى الأبد.
نظر إليهم وهم ينظرون إليه بأعين جامدة، كما لو كانت مشدودة إليه، مشدودة إلى تابوته، الذي لم يستلقِ فيه لحدّ الآن، تابوته الذي صُنع في داخل كل واحدٍ منهم.

ودّعهم وركب، فانغلق الباب وانطلقت الحافلة. عندما وصل إلى العاصمة، وفي طريقه إلى العنوان الذي تدلّه عليه ورقة كتبت بخط والده، توقف عند هاتف عمومي، واتصل بهم، ليخبرهم بوصوله. تلقوا كلماته بتوجس ولهفة. تبادلوا عدة كلمات وأسئلة مقتضبة، ثم لاذوا بصمتهم وانتظارهم الخفي.
رافقه المطر الخفيف إلى وجهته، عبر طرق مزدحمة يخنقها دخان السيارات، وبعد أسئلة متعددة عن وسائل النقل التي عليه ان يستقلها والأزقة التي لا بد ان يسلكها وصل إلى القسم الداخلي، فبادر إلى الاتصال من هناك وطمأنهم بأنه وجد بغيته أخيراً. عندها بردت تلك الحرارة التي كانت تسكن قلوبهم.

لم يكن لديه صديق، ولا أخ ذكر. كان يقرأ لوحده ويفضل الانزواء والصمت، كأنّ له زمن يختلف كلياً عن زمن المحيطين به، زمن بارد، بعيد، يمتد في نفسه الصغيرة، يضفي على طبائعه سمات الكائنات المنعزلة.

في القسم الداخلي طال نقاشه مع المدير بهدف الحصول على غرفة منفردة، لكن دون جدوى، فهذا أمر غير ممكن في سكن الطلبة، أقل رفقة يمكنه الحصول عليها هي ثلاثة أفراد، سيعرف فيما بعد أنهم مزعجون جداً، وفق تقييمه على الأقل. بالرغم من أنهم كانوا أفضل النزلاء هناك، كما أكّد له المدير.

كان هذا هو سفره الأول خارج مدينته منذ أن ولد، وهي المرة الأولى التي يفارق فيها عائلته ويبيت خارج المنزل، فلم يعتد أبداً على مخالطة الغرباء. حتى عندما كان في المدرسة كان يجلس في الرحلة الأولى ولم يصاحب سوى ولدٍ واحدٍ لا يختلف عنه كثيراً، ولم تتعد صحبته تلك أنه جليسه في مقعد الدراسة؛ لهذا كانت ليلته الأولى عسيرةً جداً كما لو كانت ليلة وحشته الأولى في قبره.

لم ينم حتى الصباح، أخذ يراقب تلك الكائنات التي تتلوى على أسرّتها طوال الليل، يحصي أنفاسهم، ويقوم بين الفينة والفينة ليشاهد القمر وقد غزا ملامحه الوجوم، ويحدّثُ نفسه:

ـ كيف سأقضي السنوات القادمة مع هؤلاء الناس؟ ... هل اترك الدراسة وأعود؟! أهو خيار جيّد؟! ولكن أهلي سيخيب أملهم بي (أنت عندما تكبر ستصير طبيباً)... كيف سأتحمّل؟! أتمنى أن أموت، ربما هذا هو الحلّ الأنسب لي!...

في الصباح الذي أتى بطيئاً قام عن سرير أرَقِهِ، أزاح الستائر وفتح النوافذ فانهمر الضوءُ في الغرفة، لكن الهواء الرطب حمل إلى جوفه حيرةً مضاعفة، اعتقد أنها ستدفع بدمهِ شيئاً فشيئاً نحو التخثّر، فعليه أن يتوجه إلى الجامعة. وخز دبابيس اليقظة في عينيه طوال الليل لم تتمكن مياه الحمام الدافئة من غسل أثره كلّياً. لكنه كان مجبراً على ارتداء ملابسه والذهاب إلى الدراسة وقد خاط النعاسُ عينيه.
يراقب العالم الصاخب من حوله فيما يشبه الحلم المريب، وخياله يجول لكشف حقائق الأشياء التي تخطف طليقةً من حوله في فضاء مدينةٍ مرتبكة. تنتاب الصور المرئية انكسارات وهمية في عينيه، مثلما كانت الجذوع والأعواد وقضبان القصب المتباعدة وخيوط الصيد تنكسر في الماء منذ زمن.

في كل يوم بعد عودته إلى المأوى كان يراقب رفقاءه بحذر. مستغرقاً في انثيالات آلامه إثر هذا الفخّ الرهيب الذي وقع فيه، بينما تنمو الخواطر الواخزة في مخيلته من افتضاح سرّه الذي سيكون حتماً موضع استهداف المتطفلين والمتحذلقين، فأقلّ ما سيتهامسون عنه أنه (مُعقّد). أحياناً يتخيل أنهم سيقومون بأفعال شريرة تجاهه. عندما يتقصدون فتح موضوع معه أو يحاولون إشراكه في حديث ما، كان يستمع لأحاديثهم بتوجس، ويحدّثهم مثل شخصٍ يقوم بشيّ الكلمات، فتخرج من فمه محترقة!.
كان يلوذ بكتبه عدة ساعات، لا يقرأ فيها الكثير، وبعد أن يجزع يهرب إلى الفراش، يمارس نوماً مصطنعاً والأفكار تجوسُ في أعماقه، وأشباح المأساة التي يعيشها تحلق فوقه أو تتقافز قربه بحركاتٍ مكتومة، لكنها تهرب فجأة عندما يباغتها إذ لا يجد سوى ما تسلل إلى الغرفة من ضوء القمر الحزين. وإذا تمكن من النوم أخيراً فإن مخاوفه وهواجسه ستلاحقه إلى أحلامه.

لم يستطع أو لم يرغب في الاعتياد على حياته الجديدة، وعلى التعايش مع شركائه في السكن. يومان كل شهر يسافر فيهما إلى المنزل، ورغم انه لم يشارك أحداً بما في داخله خلالهما، إلا أنهما بمثابة إجازة للخروج من الجحيم، يعود بعدهما إلى مصارعة الأسى. حتى تعب كثيراً ، وبدأت آثار ذلك بالظهور على وجهه وجسده.
صحيح أن بناية القسم الداخلي كانت تبدو قديمة وموحشة، فالجدران بحاجة للطلاء، والأبواب لا تخلو من الثقوب الكبيرة أحياناً، والأسرّة لم تكن مريحة، ووسائل التبريد لا تتجاوز مروحة السقف... إلا أن هذه الأمور لم تكن تهمه أو تشغل باله. لم يرعبه ابداً درس التشريح كما هي العادة لأغلب الطلاب أول الأمر... لكنه يرتاع لمرأى القمر في المساءات المؤرقة.

(ساعة سوداء) كثيراً ما يستعير تعبير جدّته ليصف الساعة التي وصل فيها إلى القسم ، أو تلك التي غادر فيها مدينته وبيت العائلة. كلما اختلى بنفسه في تلك المراحيض المشتركة القذرة يبصق بحقد ويطلق اللعنات الساخنة وينصت لصرير أسنانه.

مقترح نهاية:
يمكن للقارئ أن يتشارك مع كاتب القصة لاختيار واحدة من النهايات المحتملة، ويقرر مصير البطل... : أن يحدث انقلابٌ في سلوكه ويتطبع تدريجياً مع الوضع. أن يترك الدراسة ويعود. أن ينتحر. أو يصاب بالجنون. أو ربما يستمر على هذا الحال حتى التخرج والعودة إلى مدينته... بالنسبة لي كقارئ ستكون كل هذه النهايات اعتيادية وليست مثيرة، لذا فاني ككاتب للقصة قد اختار تركها مفتوحة. وهذه آلية اعتمدها قصاصون كثر ربما لعجزهم عن ابتكار نهاية مفارقة أو صادمة. على أية حال سأقترح النهاية على هذا النحو:

في أحد الأيام لم يعد للقسم بعد نهاية الدوام. في المساء، وحيث كان القمر مكتملاً، أبلغ رفاقه المدير عن غيابه، وكالعادة كال له الشتائم، حيث اعتبرها بادرة انحراف. بعد يومين أبلغوا أهله. حضر والده على الفور، وبعد بحثٍ عدة أيام عاد إلى مدينته دون أن يعثر لولدهِ على أثر. عاد حاملاً حيرته وأغراض ولده وبينها دفتر يومياته الذي لم يكتب فيه غير صفحة واحدة فقط.
---------------
نشرت في موقع ثقافات 2013/06/09  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق