الأربعاء، 3 يوليو، 2013

نشيد الذكرى - قصة قصيرة

زحمة الحياة ـ حياتنا التي تبدو فارغة ـ لا تسمح إلا نادراً باقتناص الذكريات. ذكرياتنا الموحشة والبريئة.
في هذه المدرسة كنت طالباً، قضيت المتوسطة، والرابع الإعدادي، ثم انتقلت إلى مدرسة أخرى لأكمل الإعدادية في الفرع الأدبي. اليوم، وبعد أن تضاءلتْ كثيراً وهرمت، أعود إليها. لكنها ما زالت تحتفظ بتلك الرائحة الرطبة. إذا استثنيت المدير، اثنان فقط ممن قاموا بتدريسي سيصبحان زميلين لي. الآخرون ماتوا أو تقاعدوا أو انتقلوا لمدارس أخرى. هذان المدرسان سيحظيان مني بطريقة تعامل مختلفة، فما تزال صورتي كتلميذٍ لهما راسخة في ذهني. أتذكر كيف كنت أجلس على الرحلة، ضئيلاً ومشاكساً، وهما يلقيان الدروس.

أدخل على الصف الأول فأتذكر أني كنت أجلس في المنتصف جوار النافذة. أنظر إلى الساحة، التي ضاقت كثيراً، وأضيف إليها مرميان لكرة السلة. في وسطها وقفت، وكان الطلاب جميعهم ينظرون نحوي، والمدرسون أيضاً، يا لها من ورطة! أنا من طلب إلقاء قصيدة عن السيف والقلم، في ذلك الاحتفال المدرسي. عندما هتفوا باسمي كاد قلبي يكسر واحداً من أضلاعي، وشعرت بوجهي يلتهب، أعرف أنه صار أحمر كالطماطم، لكنني لم أتلعثم في إنشاد القصيدة التي طالت كثيراً فصارت كمعلقة، رغم أني لم أنتقِِ منها غير سبعة أبيات.

ها... الزجاج مازال مكسراً في أغلب النوافذ، رغم أن الإدارة تستبدله في كل عام. تكسيره هواية ممتعة وأبدية للطلاب. وهم أول المتضررين منها، باعترافهم، خصوصاً عند اشتداد الشتاء. كنت أتفنن في ممارسة هذه الهواية، أجلب قطعة حديد مدببة أو مسماراً بطول نصف قلم رصاص وأضرب، خلسةً، الزاوية السفلى للزجاجة، فتنتشر فيها الشقوق دون ان تنكسر، ثلمة صغيرة فقط في موضع الضربة المتقنة، بعد أيام قليلة تتهاوى جميع القطع وتتعرى النافذة.

الجدران والرحلات تحمل الخربشات والنشرات الساذجة والتذكارية، نفسها تقريباً. لا ادري إن كانت الكتابة بحثٌ عن البقاء عبر أثرٍ ما، أم أنها مجرد نزقٍ وشقاوةٍ غير واعية.

عند دخولي الإدارة كانت الشمس تسيلُ بأشعتها الصافية من خلال زجاج النافذة الخالي من الستائر، فترسم على بلاط المكتب غير المفروش مستطيلاً مشعّاً، ينثلم من إحدى زواياه مضيئاً جزءا من منضدة الخشب السميك طويلة العمر، عمرها قد يناهز عمر بناية المدرسة التي أنشئت في بداية التسعينات، وصار هو مديرها منذ يومها الأول وما يزال.

دخلت عليه أول مرة حاملاً ورقة انتقالي إلى المدرسة وبعد عدة دقائق فكرت في تمزيق الورقة والعودة من حيث أتيت، رغم المسافة الطويلة جداً والتي كنت اقطعها يوميا وحيث لا مجال للمقارنة بهذه المدرسة القريبة... لكن ما توقعته للوهلة الأولى أنني لن اقضي أوقات عمل مريحة هنا بسبب المدير ، إلا أنني آثرت الانتظار عدة أيام قبل اتخاذ القرار الأخير.

نفس الهيأة طالعتها. ففي المرات القليلة التي دخلت فيها الإدارة أراني وجها صارماً وشعوراً متخشباً سيتشبث بذاكرتي حتى يوم عودتي للمدرسة.

ـ تريد إجازة... إذا مات أبوك أعطيك إجازة. رُح للصف.
ـ أستاذ!!!
ـ رُح.

هو شبيه إلى درجة لا تصدق بشخصية محقق في رواية بوليسية ، فهو لا يفارق البذلة الرمادية ويضيف لها المعطف الأسود شتاءاً. علامته الفارقة لا في وجهه بل على رأسه، وهي طاقية سوداء من الفرو الصناعي،  محمرّة لكثرة ما لوّحتها الشمس. يخفي تحتها صلعةً لم يرها أحد. أمازح زملائي أحياناً بأنه ربما ينام بها أيضا... ورغم قصر قامته ونحافته وعينيه الثاقبتين ، ووجهه المائل للاصفرار، كأنه مصاب بمرض عضال، وشكله الموحي بالخبث، وترصده لهفوات الآخرين، وبحثه عن الصغيرة والكبيرة في هذه البناية التي لن تنتقل فيها ذبابة من مكان إلى آخر إلا بعلمه ورضاه. إلا أنه رجل طيب في قرارة قلبه، وهذا ما لا يمكن اكتشافه بسهولة، ويمتلك روحا صافية يندر العثور على مثلها، وله وجه واحد يتعامل به مع الجميع لا وجوهاً متعددة يرتدي أياً منها أنّى شاءت مصلحته.. وما تصرفاته على ذاك النحو الذي يعطي انطباعا سيئاً نحوه ، إلا لتضخم روح الإحساس بالمسؤولية لديه.
تحدثت معه عدة مرات ، مثلما يفعل اغلب الزملاء، كنت اكرر عليه دائما أن هذه مدرسة من آلاف المدارس يمكن تسيير أمورها بيسر وبساطة وبلا تعقيد وتوتير للأجواء ، فلا حاجة لإقامة الدنيا وإقعادها من اجل حلقة إجرائية زائدة أو أمر روتيني لا يكاد يتذكره أحد في مدارس أخرى... لكن كأنني كنت بأحاديثي هذه أتقمص دور دون كيخوته لأحارب طواحين المدير.

من المهام التي لم يتخلّ عنها يوماً ملاحقة عصابة المدرسة. كثيرا ما يداهم مكان اجتماعهم، والذي لم يتغير منذ كنت طالباً، قرب ركن المدرسة الأبعد عن الإدارة لجهة الساحة المتروكة التي صار جزء منها مكباً للنفايات. يتناقلون السجائر بين أفواههم، ويتدارسون خططاً شيطانية لا تنتهي، كما لو كانوا من عصابات المافيا العالمية. يتبادلون نكاتاً وحكايات مشحونة بالممنوعات. يلعبون القمار والنرد على ما بحوزتهم من مبالغ زهيدة جنوها من ابتزاز أو سرقة أو خداع زملائهم. كبيرهم عرّابهم الذي بلغ قبل أوانه بعد أن رضع مع الشيطان، هو العقل المدمر والمُطاع للمجموعة. غالبا ما يطلقون عليه الوحش، ويجب أن يحمل سكيناً صغيرة، وسبق أن دخل السجن.

الآن وبصراحة بالغة لا تهمني المدرسة ولا المدير ولا الأولاد ولا حتى أنا، بقدر ما يهمني ايجاد نهاية تلملم خيوط القصة. صورة نهائية مكونة من قطع مركبة بتناسق وانتظام.
أفكر طويلا. يوتّرني كثيرا النظر إلى رأس القلم المتربص على مقربة من الورقة، متأهباً لاقتناص أية فكرة مغرية. عندما يشعر القلم بالعقم يرتجف بين أصابعي. هو انعكاس لارتجافٍ باطني أحسّه عندما تخذلني الذكريات.
أفكر حتى مع رشفات كوب الشاي اليومي، وسيلة الترفيه الوحيدة في المدرسة، والذي يتغير طعمه كل يوم بيد عاملة الخدمة العجوز التي لا تكاد تحسن عملاً. تختلط حلاوته بمرارته التي تشبه مرارة الإحباط اللاذعة.

يبقى أمر النهاية يراودني في كل حين. بات يؤلمني كثيراً. في مساءٍ عقيمٍ يضيق صدري ويُعتصر قلبي حتى يضطرب نبضي وتنفسي. كأن كل ثقل الذكريات يأتي ليضغط على أضلاعي. أمر غريب جداً!. أريد إتمام قصة قصيرة وهذا أمر قد لا يأبه به أحد، فلِمَ أصابُ بكل هذه الآلام والاختلاجات ...؟ أفكرُ في تمزيق أوراقي، لكن لا أقوى أبداً على تنفيذ هذه الفكرة. فأحاول الخلود إلى النوم.

في الصباح أسمع الجرس. ادخل الصف فلا يقوم التلاميذ، اجلس على الرحلة وقد سبقني المدير والمدرسون، فيقف الطلاب قرب السبورة، وبينهم عصابة المدرسة. يأخذون بتوجيه الأسئلة نحوي، عندما أجيب يطلبون التصفيق، فأصفق وحيداً، وعندما لا أجيب يطلبون أن ابسط كفّيّ للعقاب.

 ------------------------------
نشرت في مجلة إمضاء وموقع سين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق