الأربعاء، 31 يوليو، 2013

رواية «طشّاري» لإنعام كجه جي: الإنسان العراقي في مواجهة الشتات


تواصل الكاتبة العراقية المقيمة في فرنسا «إنعام كجه جي» مشروعها الروائي اللافت، حيث صدرت لها مؤخراً روايتها الثالثة التي حملت عنوان «طشّاري» عن دار الجديد ببيروت، في 251 صفحة من القطع المتوسط توزعت على 41 فصلاً.
لم تخرج الرواية عن الإطار العام الذي اتسمت به تجربة الكاتبة، حيث تشاركت مع روايتيها السابقتين: «سواقي القلوب» و «الحفيدة الأمريكية»، في عناصر أساسية عديدة، منها: اللغة المطعّمة باليومي والمألوف، مع الاحتفاظ بالرصانة والاختزال والعمق والأناقة في التعبير. فهي تختزل المادّة الحكائية ولا تمكث فيها أكثر من اللازم، فلا تمطّها أو تحشوها بما هو فائض أو غير ضروري، ولا تُبقي إلا ما يبث فيها روح الحياة، وواقعية تفاصيلها وشجونها. وكذلك أسلوبها الحكائي المشوّق، ومسحة الفكاهة والسخرية وخفة الظل التي تشوب السرد، والتي تنقلب أحياناً إلى كوميديا سوداء. أما البناء العام للرواية فقد اعتمد، أيضاً، على تقنية التقطيع السينمائي، المونتاج، فقسمتها إلى فصول قصيرة، مثّل كل منها مشهداً يكاد يستقل بذاته عن ما يجاوره. فضلاً عن تأسيسها على نسق سردي متقطع، يستثمر تقنية الفلاش باك، فيقطع السرد مع نهاية بعض الفصول، ليعود إلى الوراء، مستخرجاً ما حوته الذاكرة من أحداث وحكايات. ويظهر جلياً التركيز على محنة المسيحيين العراقيين، وما عانوه داخل العراق أو في المهاجر، ومن ثم مآسي العراقيين ككل. كما وتحضر مدينة الموصل بوصفها منبعاً لمسيحيي الروايات. إضافة إلى ذلك التلاقي بين الأجيال، واختلاف وجهات النظر بينهم نحو القضايا والوقائع التي يعيشونها.
امتازت رواية «طشّاري» بتعدد الفضاءات الحكائية ومستويات وتقنيات السرد والأصوات وتباين التجارب والخبرات لشخصياتها. إنها منجزٌ مفعمٌ بالثراء والتنوع. ورغم أنها وقعت في اختبار التفوق على الحفيدة الأمريكية، الرواية المميزة للكاتبة، إلا أنها ربما لا تقل عنها شأناً وأهمية.
تبدأ الرواية بصوت الراوي العليم، مع لحظات وصول «الدكتورة ورديّة»، المسنّة العراقية، إلى قصر الإليزيه، لحضور حفل يقام على شرف البابا الذي يزور باريس، وقد دعي له عدد من اللاجئين المسيحيين العراقيين.
تقيم وردية وحيدة في مبنى للاجئين في الضاحية، غادرت العراق بعد عام 2003 الذي أتى له بالعنف الطائفي والفوضى، حيث انتقل شبح الترويع إلى الشوارع بعد أن كان حبيساً داخل مؤسسات الدولة. هاجرت بعدما وصلت الأحزمة الناسفة إلى عيادتها، وأوراق التهديد إلى حديقة منزلها البغدادي الذي بقيت فيه وحيدة.
لا يغيب عن الدكتورة، على طول الرواية، تذكّر الأبناء والأهل الذين توزعوا في المنافي، «كأنّ جزّاراً تناولاً ساطوره وحكم على أشلائها أن تتفرق في كل الأماكن». وإضافة إلى صورة الجزّار الذي يقطّع الأشلاء، فإن الرواية ستقوم بتوظيف صور عديدة في نحوها السردي، لتعميق محنة الشتات العراقي، وأولها العنوان، بوصفه عتبة ممهدة وناطقة بلسان المحتوى، حيث تستخدم فيه مفردة عراقية تشير إلى التفرّق والتوزّع غير المنتظم، «طشّاري»، وهو الاسم الذي تعرف به إطلاقات بنادق الصيد التي تنفلق وتنتشر على مساحة كبيرة؛ لتصيب اكبر عدد ممكن من الطيور أو الحيوانات البرية الصغيرة. وكذلك صورة الساحرة الشريرة التي «تمسك بعصا البدد السحرية»، مستحضرة بها أفلام السحر والخيال، «تضرب الساحرة طاردة أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا. تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يحل بهم». أو تستدعي بعض رموز الخرافات والأساطير، كأن ترسل «طير اليباديد المنفلت من كتب الأساطير، ذاك الذي يحوم فوق أسطح البيوت الآمنة فيبعثر الأحبة ويفرقهم في البلاد».
يستعيد الراوي أيام شباب الدكتورة، وعملها في مدينة الديوانية، تلك المدينة الأليفة التي بقيت فيها ربع قرن، «ستؤرخ لهذا المكان مسقطاً لقلبها وسماء لطيفة حنت عليها ومنحتها الكثير من القليل»، عاشت هناك أحلى أيامها وتزوجت فيها وأنجبت، كما وولد على يديها نصف أبناء المدينة. تطوف في أجواء الماضي، بين الديوانية وبغداد، تصف أحوال الناس وشؤونهم ومشاغلهم، وتعمد إلى تمثيل وقائع التعايش والتسامح والمحبة التي كانت سائدة بين الناس، دون أن يلتفت أحد منهم إلى الفوارق الدينية والطبقية، صورة مثالية لم يعد لها مكان في سرديات اليوم. ومن خلال ذكرياتها تراجع مفاصل مهمة من تاريخ العراق، «إنه بلدٌ مدسوسٌ بين فكي الشيطان». سقوط الملكية وقيام الجمهورية، صراع الشيوعيين والقوميين، مجيء وذهاب البعثيين المتكرر، «وشايات وسجوناً ومنافي وجلوداً تتبدل وموتاً زؤاماً وبناءً شامخاً تحول إلى خرابة». تعرض، أيضاً، لمآسي وصعوبات العيش في التسعينات والحصار، وكيف تُرك العراقيون ليواجهوا مصائرهم وحدهم.
في باريس تستقبلها ابنة أخيها الأكبر، وبصوتها سنقرأ الكثير من أحداث الرواية، تحدثنا عن نفسها وعن عمّتها وعن ولدها الوحيد «اسكندر» وعن أحوال اللاجئين في فرنسا. ولدها اسكندر شاب ذكي ويمتلك مهارات كبيرة في الحاسوب، فيقوم بإنشاء مقبرة إلكترونية، ويبثها على شبكة الإنترنت، يجمع فيها موتى العائلة، لكي ينام كل منهم بجوار من يحب، بعد أن توزّعتهم أقاصي المعمورة. يعرضها على العمة وردية، التي تتطلع بعينين مذعورتين: «شواهد رخامية تتوزع بين أشجار خضراء، صلبان من رخام وخشب وذهب، أزهار نضرة»، قبور افتراضية أقام عليها شواهد ملونة، وأدخل عليها المؤثرات والمعلومات التي تخص كل دفين. تزدهر المقبرة، وتنتشر أخبارها بين المهاجرين، «اعترض بعضهم وعربد واعتبرها مخالفة للإيمان. وتحمّس لها الشباب. وجدوا في مقبرة العراقيين الإلكترونية حلاً سحرياً ولطيفاً لمواجهة الشتات».
تتجه الرواية في واحد من مساراتها السردية نحو البنت الكبرى للدكتورة. «هندة» المهاجرة في كندا، والتي ورثت المهنة من والدتها. تصور من خلال رسائلها واتصالاتها لوناً آخر من الاشتياق، وطقساً آخر من الغربة. تروي ما جرى عليها وعلى زوجها، حيث تركوا العراق بعدما ذاقوا مرارات حرب 1991. مكثوا في الأردن خمس سنوات على أمل العودة، ثم حصلوا على تأشيرة لكندا، فطاروا إليها. وبعد حياتها المرفهة في بغداد تصبح عاطلة وتبحث عن عمل، تواجهها مشاق طويلة حتى تعادل شهادتها وتسترجع مهنتها، فتذهب إلى منطقة بعيدة لمعالجة السكان الأصليين. ورغم الراحة التي منحتها لها ممارسة مهنة الطب في كندا، إلا أن «ثمة مرارة ما تحت اللسان. هناك غبن سيبقى كامناً في موضع ما من تاريخها الحميم؛ لأن يداً سلختها عن حياة سابقة»، وألقت بها في أقصى الأرض.

هذه الرواية لا تتفلسف أو تفكر كثيراً بصوتٍ عالٍ، بل تقدم ما جرى كما هو، بما تمتلكه من مهارة في الوصف الموجز والسرد الرشيق، ففي كل سطر ثمة معلومة جديدة وحدث آخر يثري فضاءها الحكائي.
------------------------
نشرت في جريدة الصباح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق