الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

الوقوف على حافة العالم: النقد بذائقة فلسفية


يرتبط النقد بالفلسفة ارتباطاً وثيقاً، فمنها يستعير الاشتغال النقدي طبيعته الحفرية في أعماق النصوص على اختلافها، ومن خلال التأسيس على أسئلتها الكبرى يستخرج ما تضمره تلك النصوص من أجوبة فكرية وإبداعية تتعلق بقضايا الوجود  الأساسية.
بتلك الذائقة المفعمة بالأسئلة المُلحّة ينجز علي حاكم صالح كتابه النقدي القيّم والمعنون (الوقوف على حافة العالم) الصادر هذا العام (2013) عن منشورات الجمل في بيروت وبغداد معاً، وفي (142) صفحة من القطع الوسط، متناولاً فيه التجربة الإبداعية لاسمين شعريين عراقيين بارزين هما (محمود البريكان وسركون بولص). ينقسم الكتاب إلى مقالتين أو فصلين: أولهما يقتصر الكلام فيه على الشاعر البصري محمود البريكان، وجاء تحت عنوان (في الطريق إلى البريكان)، وثانيهما مُخصص للحديث عن الشاعر سركون بولص، وكان عنوانه (سركون بولص: ضيف المسافة).
يُصدّرُ المؤلف لكتابه بمقدمة مهمة، رغم قصرها، تضمنت رؤاه واعتناقاته الشخصية حيال فن الشعر وبعض قضاياها، ويرى فيها أننا «لن نتوفر يوماً على تعريف واحد ونهائي للشعر يحيط بماهيته أو حدوده». ويبرر ذلك بالقول: «ليس للشعر ماهيةً تسبق تحققاته الفردية. إن الشعر كما الإنسان وجودهُ أسبق من ماهيته». وأحسبُ أن هذه الرؤية تحتاج إلى تأملات مطوّلة لِكُنْهِهَا واستيعابِ عمقها وثرائها. ولأن الشعر تحققات وتجارب فردية فهو يرى أن على من يمارس نقد الشعر أو قراءته أن يكتب بطريقةٍ «تتقصّى الدلالات الضمنية والبعيدة، وتقلب الباطن إلى ظاهر»، وذلك بالنظر لكون الشعر، الحديث والمعاصر منه بالخصوص، يُضمر أكثر مما يُظهر، ويُلمّحُ أكثرَ مما يُصرّح، ويخفي أكثرَ مما يُبدي، وهذا الكلام ينطبق، بطبيعة الحال، على النماذج الواعية والراقية فقط، لا على تلك النماذج المتخبطة في هلوسات العدمية واللامعنى.
إن التبصّر بكتابة علي حاكم صالح يكشف أنها تحمل بصمات ورؤى مفكّرٍ، بصماتٍ تَظهَرُ خطوطها بوضوحٍ يفوق ما تبديه هذه الكتابة في ثناياها من جهد ناقد. ورغم ذلك، فإن التفريق بينهما ـ أي المفكر والناقد ـ ضرب من التجوّز والتنزّل، فكلاهما مهووسان ومهمومان بطرح الأسئلة، أكثر من بحثهما عن الأجوبة، وكلاهما مشغولان بالأفكار وسبل إنتاجها والكشف عنها في مواضع كمونها واختبائها، ولذا ربما يكونان الأجدر بصفة المثقف. إلا أن ما جعلنا نُرجّحُ صفة المفكر لهذا الكاتب كون ما قرأناهُ له جدير بأن يوصف بأنه: كتابةٌ ضالّتُها الحِكمة.
من بين ما تميّزت به هذه المدوّنة قولبتها، أحياناً، في إطار استرسالات وانثيالات، إلا أنّها تسعى في النهاية لاستقصاء الدلالات، حيث تأخذ بالدوران حول بعض التعابير والصياغات المُشعّة؛ لكي تولّدَ منها المعاني، كما لو أنّها تقوم بتقشير المضامين الشعرية الكثيفة، وانتزاع الطبقات القارّة عنها، للوصول إلى جواهرها الكامنة.
صَنعَ الكاتبُ برهافةِ حسٍّ وذائقةٍ شفافةٍ نصّاً محايثاً مفعماً بالشعر والخيال، وضاجّاً بالرؤى النقدية العميقة، وناضحاً بالأفكار الجذّابة والمغرية. إنها تجربة تحليقٍ فريدةٍ، أو سقوطٍ حرٍّ في فضاء فسيح، لا منهج يحكمها إلا هوى الكاتب وميله الشخصي في استقراء هذه النصوص وتذوقها، دون غيرها. إنّه إنصاتٌ لصوت الشاعر، وتحديقٌ مستغرقٌ في ملامح عالمه الشعري، وهي «تأملات غير مكتملة» بتعبير الكاتب نفسه، الذي أكّد ـ أكثر من مرّة ـ تحرره من أية منهجية مسبقة، أو طريقة تناول صارمة، لكي يبرّئ عمله من أية مساءلة نقدية قد تثار ضده. إلا أن هذا التبرؤ ربما لا يعصمهُ تماماً من مقاضاة النقد، لأنّ اشتغاله على استنطاق النصوص، واستنباط المعرفي والفلسفي والثقافي الكامن في متنها الأدبي، جعله يقترب، بهذا المقدار، من مناهج نقدية متداولة، لعل من أوضحها النقد الثقافي، خصوصاً وأنه عمد إلى المزاوجة بين الشاعر ومنجزه الشعري، في سياق ما اصطَلحَ عليه بـ ­«المؤشرات اللا نصّية».
يرى الكاتب أن «ثمة تداخل إنساني وشعري مميز بين تجربتي البريكان وسركون»، كما يرى أنهما قد تجرّدا عن كل ما هو لا إنساني، وتجرّدا للعيش من أجل الشعر بوصفه مهمة نهائية لهما، وبذلك التلاقي بين التجربتين، شعرياً وإنسانياً، يُبرر إقدامه على جمعهما في كتاب واحد. كما يصف الشاعرين بأنهما «شاعرين أصيلين»، ولا يعلل الكاتب أصالتهما بجودة شعرهما فقط، بل بأنّهما قد عاشا متوافقين تماماً مع ما كتباه، وهنا يُنوّه أنه لا يستسيغ الفصل بين الشاعر وشعره، تبعاً لكونه لا يستطيع الفصل بين الإنسان وفعله، وهذا ينبع من موقف فلسفي حتماً.
ينصرف الكاتب إلى تجلية علاقة الشاعرين بالشعر الذي اختارا أن يُطلا من نافذته على العالم، فيقول، مثلاً، عن تجربة البريكان الشعرية، التي استغرقت مدة طويلة من الزمن، أنّ ما كان يُسيّرُها هو الوعي بطبيعة الشعر، ودوره في كتابة الهم الإنساني الجوهري، ويصفها بأنها«تعبير عن همّ إنساني عام يتجاوز التحديدات التاريخية الجزئية ليصعّدها إلى منزلة ماهيّة مشتركة عامة تجلّت تاريخياً». ويرى أن قصائد البريكان تكشف عن انشداده وانهمامه بتشييد «أركان عالمٍ متكاملٍ يراه هو بطريقته الخاصة». في مقابل ذلك يرى الكاتب في سركون بولص شاعراً «ينتمي إلى فصيلة من الشعراء النادرين الذين كرسوا حياتهم لشعرهم، ليس كتابة فقط ـ فليس ثمة فرادة في هذا ـ بل كان شعره هو هذه الحياة التي عاشها بكل مفترقاتها ومفارقاتها ومراراتها وأحزانها ومُتعِها الزائلة، وشيء آخر أهم أنه كان متوافقاً مع شعره الإنساني».
تلتقط هذه الكتابة سمات الفرادة والتميّز للشاعرين، فتصف سركون بأنه «ليس من نوع الشعراء الذين يكتبون ألف قصيدة عسى أن تكون عشرة منها جيّدة». في حين ينظر إلى البريكان بوصفه ذلك الشاعر الذي «يعي جيداً ماذا يكتب، ويعي جيداً رؤيته الفكرية المقولة شعرياً». وهذا يؤشر إلى أن الكاتب يرى أن هذين الشاعرين لا يكتبان إلا ما كان جديراً بالتدوين، ولا يقولان إلا الشعر الذي يثريه الوعي، وتُؤصّلُه التجربة الإنسانية، وتعلي من شأنه الأفكار.
----------------------
نشرت في جريدة الصباح العراقية 24/ 11/ 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق