السبت، 7 ديسمبر، 2013

بين السرقة والتناص


كثيراً ما يتحدث الشعراء عن التناص، ويتباهون بقدرتهم المميزة على استثماره لإثراء نصوصهم الشعرية... وبالفعل فإن التناص له أثر إيجابي في بنية النص الأدبي. لكن الغريب أنهم ـ في مقابل ذلك ـ يُجهدون أنفسهم ـ أحياناً ـ في تتبع نصوص وقصائد الآخرين؛ لعلهم يعثرون على أي تشابه بينها وبين نصوص سابقة لهم، ولو من بعيد، لكي يتهموا أولئك الآخرين بالسرقة منهم!
في مقابل ذلك تكشف مباحث التفاعل النصّي أو المتعاليات النصية لدى جيرار جينيت عن أنماط عديدة من التلاقي بين النصوص، حيث لن يُعدم القارئ الفاحص من إرجاع أية حالة من حالات التقارب اللفظي أو المعنوي بين النصوص إلى واحد من تلك الأنماط. لذلك أرى أن التقارب اللغوي والمعنوي والدلالي لا يمكن أن يُعد سرقة أدبية، فهذا من قبيل السُنّة النصّيّة لكي تستمر دورة الكتابة في الحياة، في حين أميل إلى القول أن السرقة تقتصر على ما نُقل حرفياً فقط، دون الإشارة إلى مصدره.
تكتسب النصوص الأدبية قيمة مضافة من خلال القنوات النصّية أو التناصية التي تربطها، بطريقة واعية، مع نصوص أخرى، فمنذ جوليا كرستيفا ومباحث التناص تتسع أكثر فأكثر على أيدي الباحثين، حتى صارت تشمل جميع حالات التلاقي والتحاور والتقارب والتعالق النصّي.
ربما علينا أن نتذكر دائماً، حيال موضوع التناص، تلك المقولة ـ التي أعتقد بصدقها إلى مديات بعيدة ـ أن الشاعر الجيد يسرق، أما الشاعر السّيئ فيُقلّد، وهو ينطبق على جميع مجالات الكتابة وليس الشعر فقط... ولكن كيف ذلك؟ أرى بأن الكاتب والشاعر الجيد ـ وهو قارئ نوعي بامتياز ـ يلتقط الأفكار اللامعة من نصوص عديدة، فيعمد إلى إعادة تصنيعها وصياغتها بشكل جديد، فتظهر ـ باحترافه الشعري أو الكتابي ـ كما لو كانت جديدة وأصيلة. قد تنطلي تلك الظاهرة على كثيرين، لكن القارئ المحترف هو من يستطيع الكشف عن السرقة، والتي لا يمكن إلا أن تُعدّ ـ نقدياً ـ تناصّاً إيجابياً، لأن هذا التناص أسهم في تطوير النص الجديد والارتقاء به، بخلاف التقليد الذي يسلكه الشعراء والكُتّاب السيّئون، أي أنه تناص سيّئ، لم يتفاعل مع النصّ السابق ولم يُضفِ عليه شيئاً، بل أعاد كتابة الفكرة بطريقة هابطة. ولكي لا يُفهم مني التناقض مع ما سبق، أقول ثانيةً: إنه تناصٌّ وليس سرقة، لأني أرى في السرقة ما جاء حرفياً دون الإشارة لمصدره.
أتصور أن مفهوم التناص يحتاج إلى إعادة فهم أكثر من حاجته إلى إعادة تعريف، فالقدر المتوفر في الدراسات الخاصة بذلك تفي بالغرض، وأذكر منها كتاب الدكتور محمد عبد الرضا شياع المعنون (الخلفية النصّية الاسبانية والشعر العربي المعاصر، بحث في التفاعل النصّي) والصادر عن دار تموز في دمشق خلال هذا العام.
التناص حتمية أدبية. وأعني بالحتمية الأدبية، ضرورته في تكوين الطبيعة النسيجية للنصوص ـ بحسب بارت ـ والتي تُحتّم تآزر الثقافات التي يحملها الكاتب أو الناصّ، في تكوين نسيج النص، وتلك الثقافات ـ بطبيعة الحال ـ خليط كبير من النصوص السابقة، ستظهر في ما يكتبه، سواء شَعَرَ بذلك أم لم يشعر، وما يُروى عن نصيحة المُعلم الكوفي إلى تلميذه أبي نؤاس بأن يحفظ ألف قصيدة ثم ينساها قبل أن ينظم الشعر، يصلح للتدليل على هذه الفكرة.

alidawwd@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق